رواية ابن رئيس المافيا كاملة
لم يكن أحد من ركاب الطائرة قادرا على تجاهل ذلك البكاء الحاد الذي مزق سكون المقصورة. كان الصوت صادرا عن طفل صغير لا يتجاوز عمره بضعة أشهر.
أما الرجل الجالس بجانبه فكان يحمل حضورا لا يخطئه أحد كتفان عريضان ملامح جامدة تنذر بالخطر وعينان مضطربتان رغم محاولته إخفاء ذلك الاضطراب. كان دومينيك رومانو الاسم الذي يثير الصمت في أي غرفة يدخلها زعيما لإحدى أقوى عائلات النفوذ في أوروبا ورجلا لم يعترف يوما بالضعف حتى جاءت تلك الرحلة.
تجرأت سارة التي كانت تجلس على المقعد المقابل على النظر في اتجاهه بعد أن فقد الطفل صوته في موجة جديدة من البكاء. كانت تعرف أن تدخلها مخاطرة لكن غريزة الأم بداخلها لم تسمح لها بالصمت.
استدار إليها فجأة وكأن صوت خطوات أفكارها اخترق جدار إنذاره.
قال بنبرة منخفضة لكنها حملت ثقل رجل لا يعرف سوى القوة
ممرضة ثم زاد حدة نبرته قليلا وماذا تتخيلين أنك قادرة على فعله جربت كل شيء.
لم تهتز سارة رغم حدته. شعرت أن الرجل لا يغضب منها بل من عجز لا يعترف به.
ابتلعت ريقها وقالت بهدوء
هو جائع أو يبحث عن شيء يذكره بالأمان.
زم شفتيه والتوى صوته لثانية قصيرة كما لو أن حدة الصراخ دمرت ما تبقى من صلابته.
حاولت إطعامه بالزجاجة لكنه يرفض.
اقتربت خطوة.
بعض الأطفال الذين اعتادوا الرضاعة الطبيعية لا يأخذون الزجاجة بسهولة. هل كانت أمه
تجمد وجه دومينيك ثم
رحلت.
لم ترتجف الكلمات لكن شيئا في داخله انهار بصوت مكتوم لا يسمعه سوى نفسه وسارة.
خمد خوفها أمام حزنه. وصوت خافت في داخلها دفعها إلى خطوة أبعد مما توقعت.
قالت بصوت مضطرب
أنا ما زلت أدر الحليب. ابنتي رحلت منذ ستة أشهر لكن جسدي لم يتوقف.
بدت الصدمة في عيني دومينيك لا صدمة اشمئزاز بل صدمة رجل لم يتوقع أن يسمع كلمة رحيل مرة أخرى في ذلك اليوم.
قال بصوت منخفض فيه خطر وفيه رجاء لم يعترف به
أأنت تعرضين أن ترضعي ابني
احمر وجهها لكنها لم تتراجع.
نعم إذا لم تمانع.
ساد الصمت كأن الطائرة بأكملها حبست أنفاسها. ارتخت كتفا دومينيك قليلا في حركة صغيرة لكنها كسرت ما بينهما من حواجز.
قال أخيرا بصوت خافت يليق برجل يقدم شيئا من كبريائه
الحمام أكثر خصوصية.
أغلقت سارة الباب خلفها. ارتعشت يداها لكن حين حملت الطفل إلى صدرها هدأ شيء ما بداخلها كما هدأ هو. وجدت في بحثه اليائس عن الأمان صدى لبكاء قلبها الذي لم يهدأ منذ رحيل ابنتها.
وبينما التصق الصغير بها عم سكون مفاجئ لم تتوقعه.
شهقت سارة شهقة خفيفة امتزجت بالراحة والحزن والحنين ثم انهمرت دموعها.
لا بأس أنا هنا. همست وهي تربت على رأسه الصغير.
لا بأس يا ملاكي.
في الخارج كان دومينيك واقفا كتمثال من حجر لكنه تمثال يتداعى من الداخل.
كان يصغي لصمت لم يسمعه منذ ولادة طفله صمت الراحة.
بعد خمس عشرة دقيقة خرجت سارة وهي تحمله نائما كأنها تحمل قطعة منه أعيد إليها نبض الحياة. حين رآهما شعر دومينيك أن رئتيه امتلأتا هواء للمرة الأولى منذ شهور.
اقترب وقال بصوت متردد لا يشبهه
هل هو بخير
ابتسمت بلطف.
بخير شبع وهدأ.
وعندما مدت يديها لتسليمه أمسك دومينيك بمعصمها بلطف غريب عليه بلطف يشبه الامتنان.
اسمك.
سارة.
كرر اسمها ببطء كأنه يوقع عهدا قديما
أدين لك بدين.
ارتبكت.
لا لا أدينني بشيء.
اقترب قليلا وقال بنبرة انخفضت كأنها اعتراف محظور
في عالمي الديون تتحول إلى مصائر.
ارتجف قلبها.
ثم أعطاها بطاقة واحدة.
عشاء. عندما نهبط.
كان يجب أن ترفض. لكن حين لمست أصابعه أطراف أصابعها تفجرت شرارة خافتة حقيقية صادقة.
همست بتردد
عشاء فقط.
ابتسم ابتسامة بطيئة ابتسامة رجل لا يعتاد الابتسام.
في الوقت الحالي.
لم تعرف سارة أن تلك الخطوة الصغيرة ستفتح أبواب عالم كامل. بعد يومين كانت سيارة سوداء فاخرة تنتظرها أمام مبنى سكنها المتواضع. ومعها حارس صامت لا يبتسم ولا يعلق. ومعهما طريق إلى قصر أشبه بحصن.
داخل الحضانة كان دومينيك واقفا عاجزا كأب لا يعرف كيف يهدئ ابنه.
كان صوت ماركو هذه المرة أضعف لكن أكثر ألما.
قال بصوت يتحطم
يرفض كل شيء. الأطباء يتحدثون عن أنبوب تغذية. لن أسمح له بأن يتألم. أرجوك يا سارة ساعديه.
كاد عقلها يصرخ بها هذا ليس عالمك ارحلي!
لكن بكاء الطفل
قالت بهدوء وكأنها تتحدث إلى حزنها لا إليه
سأساعده لأسبوع.
أومأ دومينيك بقوة.
سأكتب عقدا. ستكونين آمنة هنا.
وحين هدأ الطفل فور ملامستها له تمتم دومينيك بصوت خافت
في العائلات القديمة من ترضع طفل الدون تصبح امرأة مقدسة.
ابتلعت ريقها.
وماذا يعني مقدسة
نظر إليها نظرة لا تحمل لعبا ولا مجازا.
يعني أنك تحت حمايتي وأن العالم سيراك لي.
ارتعشت.
لكنها بقيت.
تحول الأسبوع الذي وعدت به سارة إلى عالم آخر داخل أسوار القصر. لم يكن القصر مكانا للترف كما توقعت بل أصبح خلال أيام أربعة مسكنا غريبا للسلام.
كان ماركو يستعيد عافيته كلما التصق بصدرها وكلما هدأت أنفاسه بعد كل رضعة كانت نبضات الخوف في قلبها تخف شيئا فشيئا.
في كل مرة تحمله كان دومينيك يقف قريبا لا يتدخل ولا يتكلم فقط يراقب بصمت متعب صمت رجل يرى الحياة تعود إلى ولده أمام عينيه ولا يملك أن يصف شعوره. كان ينظر إليهما كأن كل لحظة رضعة معجزة جديدة ظهرت في بيته.
وفي الليلة الرابعة بعدما نام ماركو نوما عميقا للمرة الأولى منذ مدة جلست سارة على الأريكة الصغيرة في غرفة الحضانة. بقي دومينيك واقفا عند الباب وبدا كأنه يفكر طويلا قبل أن يقول بصوت منخفض
لقد أنقذته.
هزت رأسها وهي تنظر إلى الطفل.
أنا فقط أطعمته.
اقترب خطوة وصوته ينكسر في منتصفه
أعطيته السلام وأعطيتني أنا أيضا شيئا لم أعرفه منذ زمن.
رفعت عينيها إليه وشعرت بأن المسافة بينهما رغم رهبة عالمه تقلصت
فجأة.
دومينيك همست