كانوا يسخرون من فتاة غسّالة الصحون
كانوا يسخرون من فتاة غسالة الصحون لأنها تأخذ بقايا الطعام حتى صاحب المطعم نفسه ضحك عليها. ولكن عندما تبعها إلى منزلها ورأى الحقيقة وراء تلك الفتات اختفت ابتسامته ولم يتبق سوى الدموع.....
مسحت أوليفيا يديها بالمريلة وهي تدخل الطبق الأخير في غسالة الصحون فيما كان هدير آلات المطبخ يطغى على ضجيج الزبائن في قاعة الطعام. كان العمل في مطعم ذا كينغز كراون أحد أفخم مطاعم شيكاغو مرهقا
لكن الراتب رغم تواضعه كان يحافظ على حياة أوليفيا وتوأمها نوح وليام. فمنذ أن توفي زوجها قبل ثلاث سنوات في حادث مأساوي اعتادت أوليفيا الاعتماد على نفسها والإصرار لكي تبقى صامدة.
كان مطبخ المطعم دوامة من الحركة. قدور تقرع طلبات تصرخ والطهاة يتحركون بانسجام دقيق. لكن خلف هذه الفوضى كانت هناك معركة صامتة. لمحت أوليفيا الأطباق غير الملموسة المكدسة قرب سلة المهملات
مقبلات نصف مأكولة خضروات مطهية بإتقان حصص كاملة من المكرونة واللحم. شد المنظر معدتها. لم يأكل ولداها وجبة حقيقية منذ الإفطار وبعض الليالي كانت وجبتها شريحة خبز فقط.
بلا تفكير طويل ملأت علبها الفارغة بما سيتم التخلص منه. وهمست أولادي مش هيباتوا جعانين النهارده. كانت تعلم أن ما تفعله مخاطرة لكنها لم تملك خيارا آخر. وعندما عادت
أضاءت وجوه نوح وليام عند رؤية السجق الحقيقي والجبن الطري والخبز الطازج. وبينما كانا يأكلان شعرت أوليفيا بمزيج من الفرح والذنب.
وبمرور الأسابيع أصبح هذا طقسا صامتا. لم تأخذ يوما أكثر مما كان سيرمى ولم تمس أي شيء يخص الزبائن. زملاؤها سخروا منها ظنا أنهم تضع الطعام لكلب ضال تبنته وضحكوا على نحافة جسدها. لم تدافع عن نفسها فقد تعلمت أن البقاء لا يجلب التعاطف.
ثم تغير كل شيء حين أصبح ستيفن بروكس المالك الجديد للمطعم. كان شابا طموحا شديد الحذر فركب كاميرات لمراقبة الموظفين خوفا من السرقة.
وفي إحدى الليالي رأى أوليفيا تأخذ البقايا. ثار غضبه واقتحم المطبخ وواجه الشيف فريد وطالبه بتفسير. فريد المرتبك قال إنها تطعم كلبها. لم يقتنع ستيفن وقرر المتابعة بنفسه.
وفي اليوم التالي تتبع ستيفن أوليفيا إلى شقتها الصغيرة في أحد أحياء شيكاغو الفقيرة. ورق حائط متقشر إضاءة خافتة أثاث قديم
لا يشبه إطلاقا مطعمه الفخم. وعندما وصل للمطبخ تجمد في مكانه. طفلان صغيران يأكلان بسعادة نفس البقايا التي رآها في الكاميرا. اختفى غضبه وحلت مكانه صدمة صامتة.
سألها بصوت متردد
آه عندك عيال
فأومأت أوليفيا متحفظة وحذرة.
انسكب عليه الإدراك كالموجة كل الظنون التي كونها كانت خاطئة
منذ متى تأخذ الطعام
هل كانت تسرق
أم كانت تحاول فقط أن تبقي أبناءها بعيدين عن الجوع الذي يلتصق بالنفس قبل الجسد
وهل يمكنه كرجل أعمال صارم أن يثق بموظفة تخفي شيئا كهذا
لم تجد قدماه طريقهما سريعا. خرج من الباب وهو يتمتم بكلمات اعتذار متقطعة حتى إنه لم يدرك لحظة إغلاق الباب خلفه. سار في الممر الضيق هبط السلالم صدفة بعد أخرى وكأن عقله قد أصيب بالشلل. لكنه تحت كل ذلك الاضطراب كانت تنمو داخله فكرة جديدة فكرة ستغير حياتها وربما حياته أيضا.
عاد ستيفن إلى سيارته الفاخرة المركونة بمحاذاة الرصيف. جلس خلف المقود دون أن يحرك المركبة. بقي يحدق عبر الزجاج الأمامي إلا أن الصورة التي يراها لم تكن الطريق بل كانت وجه الصبيين وهم يأكلون وكأنهما يلتهمان الحياة نفسها. تنفس بعمق لأول مرة منذ دخوله تلك الشقة وشعر بألم غريب ألم يشبه الندم أو ربما الخجل.
كان يظن نفسه رجلا عادلا يحاسب الموظفين بالميزان نفسه يعاقب دون تردد. لكنه الآن بعد أن رأى الحقيقة بكل هشاشتها اكتشف أنه
همس لنفسه كمن يعترف سرا
لم أكن أعرف لم أكن أعرف شيئا.
أدار المحرك أخيرا وقاد السيارة عبر شوارع شيكاغو المكتظة. كانت الأضواء تنعكس على الزجاج والضباب يزحف بكسل لكن عقله لم يكن في المدينة بل في تلك الشقة الصغيرة وفي تلك الأم التي تخوض حربا صامتة كل ليلة.
وصل إلى منزله قرب منتصف الليل. البيت واسع أنيق بلا أطفال يركضون في الممرات ولا ضحكات تعلو الجدران. تساءل للمرة الأولى منذ سنوات إن كان هذا هو النجاح الذي كان يسعى إليه نجاح بلا بشر بلا روابط بلا دفء.
جلس على الأريكة الطويلة ومرر يده على جبينه.
لأول مرة أحس بثقل المسؤولية لا كرجل أعمال بل كإنسان يرى الفقر يختبئ خلف ابتسامات موظفيه. وتساءل
كم من أوليفيا أخرى تعمل لديه ولا يعرف قصتها
كم من طفل ينام جائعا بينما يرمون في المطعم طعاما يكفي عشرات
لم يغمض له جفن إلا قليلا ولما استيقظ كان قد اتخذ قراره.
الفكرة التي كانت مجرد ومضة أمس أصبحت الآن خطة كاملة.
في الصباح التالي حضر إلى المطعم أبكر من المعتاد. دخل من الباب الخلفي سار بين الطهاة الذين يستعدون ليوم جديد ولم يلتفت إلى تحياتهم. كان متوترا على نحو غريب لم يعرف أصلا أن لقاءه القادم سيصنع
دخل إلى مكتبه