كانوا يسخرون من فتاة غسّالة الصحون

لمحة نيوز

جلس على كرسيه ثم ظل يحدق في باب الغرفة وكأنه ينتظر أحدا. وبعد دقائق طرقت أوليفيا الباب بخجل شديد بناء على طلبه.
كانت واقفة هناك مرتدية زي العمل البسيط يداها متشابكتان أمامها كمن يقف أمام حكم لم يصدر بعد.
قالت بصوت خافت
حضرتك طلبت تقابلني
أشار لها بالجلوس.
لم يعرف من أين يبدأ لكنه قال أخيرا
أوليفيا أنا شفت كل حاجة امبارح. ولاديك وشفت ليه كنت بتاخدي الأكل.
لم تنظر إليه مباشرة. كانت تتوقع اللوم التهديد وربما الطرد.
قالت بحذر
لو حضرتك عايز تفصلني أنا فاهمة.
هز رأسه سريعا كمن يطرد كلمة لا يريد سماعها
لا مش ده اللي ناوي عليه. بالعكس أنا جاي اعتذر.
رفعت عينيها ببطء متفاجئة.
تابع بصوت منخفض مختلف تماما عن صوته الحاد المعتاد
أنا غلطت. حكمت عليك قبل ما أعرفك. وشوفت الحقيقة الحقيقة اللي عمري ما افتكرت إن موظف عندي ممكن يعيشها.
سكت لحظة ثم أضاف
بس اللي عرفته مبارح خلاني أفكر. ما ينفعش مطعم كبير زي ده يرمي كل الكمية دي من الأكل وفي ناس زي ولادك يستحقوا وجبة محترمة كل يوم.
كانت تنظر إليه الآن بانتباه حذر تترقب ما سيقوله.
تنفس بعمق وألقى بالكلمات التي باتت نواة الفكرة الكبيرة التي تشغل روحه
أنا ناوي أعمل برنامج ثابت داخل المطعم توزيع يومي للأكل الصالح اللي بيتبقى. مش للزبائن للناس المحتاجة. وهيبقى
باسمنا إحنا الاتنين.
شهقت من المفاجأة.
قالت بصوت مرتعش
باسمنا
ابتسم ابتسامة صغيرة لكنها صادقة
أيوه. الفكرة فكرتك من الأساس. لو ما كنتيش بتخاطري عشان ولادك ما كنتش هفكر بالشكل ده.
لم تعرف ماذا تقول. لم يسبق أن اعتذر لها مدير فضلا عن أن يمنحها شرف المشاركة في مشروع خيري.
لكن قبل أن تستوعب ذلك كله أضاف بصوت متردد كمن يخشى ردها
وفي حاجة كمان لو وافقتي عايز أنقلك من غسيل الصحون. وظيفتك دي مش عادلة. هعينك مشرفة على البرنامج الجديد وراتبك هيتضاعف.
اتسعت عيناها ثم غطت فمها بيدها. شعرت بدموعها تلمع لكنها حاولت حبسها حتى لا تنهار.
قالت بارتباك
أنا أنا مش مصدقة.
رد بهدوء
وما تطلبيش تصدقي. بس وافقي والباقي عليا.
لكن ما لم يدركه ستيفن بعد هو أن هذا المشروع لن يغير حياة أوليفيا وحدها.
بل سيقوده هو شخصيا إلى مفاجأة أكبر بكثير مفاجأة تنتظره في المطعم خلال أيام قليلة مفاجأة لا علاقة لها بالطعام ولا بالفقر بل بشيء آخر سيقلب هدوء حياته رأسا على عقب.
بدأ اليوم التالي على غير المعتاد فقد كان المطعم يعج بحركة مختلفة وكأن روحا جديدة دبت في جدرانه. لم يكن السبب ازدحام الزبائن أو اجتهاد الطهاة بل الإعلان المفاجئ الذي ألقاه ستيفن في اجتماع الصباح
برنامج جديد لتوزيع الطعام الصالح يوميا على المحتاجين وتشرف عليه
أوليفيا.
ساد الصمت لثوان ثم تتابعت النظرات بين الموظفين. ووقفت أوليفيا في الخلف متجمدة لا تدرك إن كانت تحلم أم أنها حقا أصبحت مسؤولة عن مشروع ضخم بعد سنوات من عمل صامت خلف الأطباق.
همست لنفسها
لماذا أنا لماذا يثق بي هكذا
بعد الاجتماع لحق بها ستيفن في الممر الجانبي.
وقف قريبا منها وقال بنبرة هادئة
أوليفيا متقلقيش. انتي قدها.
رفرفت أجفانها بتوتر
بس ليه اخترتني بالذات
ابتسم قليلا وكأنه يخبئ أكثر مما يقول
عشان انتي أكتر حد عارف يعني إيه الجوع وأكتر حد هيقدر قيمة إن الأكل مايروحش هدر.
خفضت عينيها بخجل حار. لم تكن معتادة على أن يراها أحد بل كانت تتقن فن الاختفاء. أما الآن فقد أنار الضوء مسارا جديدا تحت قدميها.
وبينما كانت تحدثه انفتح باب المطعم الرئيسي فجأة.
دخل رجل طويل ملامحه قاسية يحمل في عينيه تاريخا لم يدفن بعد. ما إن وقعت نظرة أوليفيا عليه حتى تجمد جسدها بالكامل.
ارتعش صوتها
إيثان
تقدم بخطوات ثابتة وهو يطالع ملامحها كمن يعثر على شيء ضاع منه
أيوه أنا.
لم يعرف ستيفن ما يجري لكنه التقط ارتجاف يدها فوقف بقربها دون أن يسأل.
قالت أوليفيا بصوت يكاد ينطفئ
إنت إنت ما كانش المفروض ترجع.
ضحك إيثان بسخرية ثقيلة
ليه مش من حقي أعرف ولادي فين
تصلبت ملامح ستيفن فجأة ونظر إلى أوليفيا بذهول صامت.
لكنها
أسرعت تقول كمن يقطع حبلا خنقها طويلا
دول مش ولادك دول ولادي أنا وبس. انت طلقتني بإيدك قبل ما تدخل السجن. وسبتنا نغرق لوحدنا.
لوح إيثان بيده باستهتار
آه وأنا رجعت. والحياة اتعدلت. وجاي آخد اللي ليا.
نظرت إليه أوليفيا بعينين امتلأتا بشيء غير الخوف
كان الغضب. الغضب الذي ظل محتجزا في صدرها سنوات.
قالت بحدة لم تعهدها في نفسها
ملكش عندي حاجة. ولا عندهم. انت طلقتني ضربتني كسرتني وأنا لما وقفت على رجليا مافيش قوة في الدنيا هترجعني تحت رجلك.
تدخل ستيفن بصوت منخفض لكن يحمل حد السكين
أظنك سمعت كلامها.
التفت إليه إيثان متفحصا
وانت مالك
رد ستيفن بثبات
أنا مدير المكان واللي يزعج موظفيني يزعجني أنا شخصيا.
ثم اقترب خطوة وصوته صار أشد صرامة
المطعم مش ساحة لتصفية حساباتك. لو محتاج تتكلم معاها مش هنا ومش دلوقتي.
زم إيثان فمه وعيناه تضطرمان غضبا لكن وجود ستيفن قرب أوليفيا كان كجدار لا يمكن اختراقه.
تراجع بعد لحظة وقال بصوت يحمل وعيدا
تمام بس أنا هرجع. ومش هسيب حقي.
ثم استدار وغادر تاركا خلفه هواء ثقيلا.
وقفت أوليفيا ساكنة تشعر بأن قلبها يطرق أضلاعها كمن يريد الهرب.
اقترب منها ستيفن ببطء
انتي كويسة
أجابت بصوت مبحوح
أنا خايفة.
هز رأسه بثقة
متخافيش. طول ما انتي هنا مش هسمح لحد يؤذيك.
رفعت عينيها إليه لتجد
شيئا مختلفا يشع في نظرته.
لم يكن شفقة ولا واجبا.
كان اهتماما حقيقيا دافئا يتسلل
تم نسخ الرابط