كانوا يسخرون من فتاة غسّالة الصحون
كضوء خلال نافذة مغلقة.
أما هي فكانت تشعر للمرة الأولى منذ سنين بأن أحدا ما يقف في صفها بلا مصلحة بلا مقابل.
ولم تكن تعلم أن هذا اللقاء وهذه المواجهة ستكون بداية تغيير عميق
ليس في حياتها وحدها بل في حياة كل من حولها.
لم تستطع أوليفيا النوم تلك الليلة. كانت تجلس قرب نافذة غرفتها الصغيرة تنظر إلى ولديها النائمين بطمأنينة بينما تتصارع داخلها مخاوف قديمة كأنها وحوش خرجت من أقفاص مظلمة. ظهور إيثان أعادها للحظات كانت تظن أنها انتهت. ووسط هذا الاضطراب كانت صورة ستيفن تتسلل إلى ذهنها دون استئذان صورته حين وقف أمامها يحميها بصمت بثبات كأنه جدار لا يسقط.
همست لنفسها
ليه بيعمل كده ليه مهتم
في الصباح وصلت إلى المطعم مترددة. لم تكن تدري كيف ستواجهه ولا كيف سيبدو بعد الليلة الماضية. لكنها وجدته عند الباب ينتظرها بيدين في جيبيه وعينين تحملان ذلك العمق الصامت الذي يسبق الكلام.
حين رآها تقدم خطوة.
ابتسم ابتسامة صغيرة خفيفة لا تحمل شفقة بل احتراما.
صباح الخير يا أوليفيا.
خفضت رأسها بخجل
صباح الخير.
مشى إلى جانبها حتى وصلا إلى المطبخ الخلفي حيث يبدأ برنامج التوزيع. كان الجميع منشغلين لكن ستيفن كان حاضرا بقربها طوال الوقت دون أن يتدخل. فقط كان هناك.
بعد دقائق قال لها بصوت منخفض
لو عايزة يوم إجازة أو حتى أسبوع أنا موافق.
هزت رأسها سريعا
لا أنا كويسة.
رفع حاجبه كأنه لا يصدق
كويسة ولا بتحاولي تباني كويسة
ابتسمت ابتسامة شاحبة وقالت
أنا اتعودت أواجه لوحدي.
نظر إليها نظرة طويلة ثم قال بصدق
يمكن جه الوقت اللي متواجهوش لوحدك.
ارتعشت أنفاسها. تلك الجملة ضجت في صدرها كنبضة لم تعرفها منذ سنوات. حاولت الكلام لكن صوتها اختنق فآثرت الصمت.
مر الأسبوع التالي هادئا لم يظهر فيه إيثان. بدا وكأنه اختفى فجأة كما ظهر فجأة لكن ظل شبحه يطوف حول قلب أوليفيا. ومع ذلك لم تكن وحدها. كان ستيفن حاضرا في كل خطوة تخطوها ليس بصفته مديرا بل شيئا آخر شيئا أقرب.
وذات مساء وبعد انتهاء توزيع الطعام كانت أوليفيا ترتب الرفوف حين دخل ستيفن بهدوء.
لسه قاعدة
شغل بسيط وبيخلص.
اقترب منها حتى أصبح قربها بما يكفي لتسمع
قال بصوت خافت
أوليفيا أنا عايز أكلمك عن حاجة.
توترت
خير
أخذ شهيقا عميقا ثم قال بصدق لم تحمله نبرة رجل من قبل
أنا مش قادر أشوفك خايفة. ومش قادر أتجاهل اللي حاسس بيه ناحيتك. انتي ست قوية وراسية ومن ساعة ما عرفتك وأنا شايف فيكي أكتر بكتير من اللي بتظهريه.
تسارعت ضربات قلبها حتى شعرت بأنها تسمع.
حاولت الاعتراض
ستيفن حياتي معقدة.. عندي ولاد عندي مشاكل
قاطعها بلطف
ولو. مين قال إني خايف من مسؤولياتك بالعكس يمكن ده أكتر شيء خلاني أحترمك. انتي أم قبل ما تكوني أي حاجة تانية وأنا شايف ده جمال مش عبء.
أخفضت عينيها ويداها ترتجفان.
قالت بصوت شبه هامس
أنا نسيت يعني إيه حد يهتم. ونسيت يعني إيه حد أقوله اللي في قلبي من غير ما أخاف.
ابتسم ابتسامة صافية خطوة أقرب
طب قولي. ولو مش دلوقتي لما تبقي جاهزة.
رفعت وجهها إليه وفي عينيها لمعة لم يرها عليها من قبل.
أنا مش خايفة منك بس خايفة عليك.
ضحك بخفة
عليا وليه
عشان لو دخلت حياتي مش هتلاقي فيها رفاهية. هتلاقي تعب وهم وولاد وماضي
قاطعها بابتسامة دافئة
طالما
لم تستطع منع دمعة ساخنة من الانزلاق على خدها. مسحها هو بأنامله بحرص كأنها شيء لا يجب أن يكسر.
همس
أوليفيا
خليني أكون الأمان اللي مفتقداه.
خليني أكون الراجل اللي يقف جنبك مش اللي يقف عليك.
ارتجفت شفتيها وقالت بصوت مكسور
أنا مش متعودة حد يحبني.
اقترب أكثر حتى صارت المسافة بينهما لا تذكر.
طب سيبيني أعلمك.
كانت تلك اللحظة هادئة كثيفة كأن العالم كله توقف ليستمع لنبضهما.
لم يلمسها لم يعانقها كان يكفي وقوفه قريبا كأنه وعد طويل المدى.
قالت بخجل
ستيفن أنا بحس بالأمان معاك.
ابتسم وهو يغمض عينيه للحظة كأن الجملة اخترقت شيئا داخله.
وأنا عمري ما حسيت إني عايز أحمي حد قدك.
في تلك الليلة خرجا من المطعم معا.
لم يمسكا الأيدي لكن ظلالهما كانت تسير متجاورة متقاربة كأنها تعلن بداية مسار جديد.
مسار لا يخلو من الخوف ولا من الماضي
لكن يحمل شيئا أقوى
الأمل.
والانتماء.
والقلب الذي وجد أخيرا مكانه.
ومع كل خطوة كانت أوليفيا تشعر بأن روحها تنبت من جديد
وبأن ستيفن لم يعد مجرد مدير
بل