مُربّية فقيرة… ومائدة يجلس حولها أصحاب الملايين، وثلاثون ضيفًا يحدّقون بها كأنها بلا قيمة
المحتويات
ما الذي جعل ذلك يوجعه بهذا الشكل
في تمام السابعة وصلت لورا إلى القصر عبر المدخل الخلفي. كانت دونا روزا قد بدأت إعداد الإفطار.
صباح الخير يا روزا.
صباح النور يا بنتي. البيت كله بيتكلم عن امبارح.
ارتدت لورا المئزر وتنهدت
ويا ريتهم ما اتكلموا.
ضحكت روزا وهي تخفق البيض
البارح الناس اتعلمت إن الكرامة ما بتتشفراش.
لم ترد لورا صعدت إلى غرفة صوفيا. كانت الطفلة غارقة في النوم دبدوبا قماشيا ممزق الأذن لعبة قديمة رفضت التخلي عنها. جلست لورا على طرف السرير مررت يدها في شعرها ففتحت صوفيا عينيها وابتسمت
جتي كنت في حلمي.
ابتسمت لورا رغم التعب
كان حلم جميل
كنا في نزهة وضحكتي كتير.
وخز الألم قلب لورا فقد نسيت آخر مرة ضحكت فيها حقا.
ووعدتها بنزهة يوما ما رغم أنها تعرف أنها لا يجب أن تعد بشيء.
ثم طفت على الذاكرة صورة صغيرة فتاة بشعر بني ماريا لويزا.
ابنتها.
وجعها الأكبر.
القبر الذي ما زال نصف قلبها مدفونا فيه.
حين سألتها صوفيا أنت بتعيطي ليه مسحت لورا دموعها وقالت
افتكرت حد كنت بحبه.
سألت الصغيرة بهدوء مؤلم
وكان بيحبك
ارتجفت لورا.
نعم كان يحبني.
يبقى انتي أحسن مني أمي ما حبتنيش.
لورا بقوة تشعر كأن صدرها سينكسر
أنت تستحقين حب الدنيا كلها يا صوفيا.
في تلك اللحظة كان أندريه واقفا خلف الباب المفتوح قليلا يشاهد.
أدرك شيئا لم يدركه من قبل
أن لورا لم تكن مربية.
كانت الحنان الذي فقدته ابنته وربما هو أيضا.
وبينما مر اليوم أدت لورا عملها كعادتها لكنها كانت تشعر أن شيئا ما تغير.
شيئا غير مرئي لكنه موجود.
كان وجود أندريه في البيت ذلك اليوم أشبه بحدث غير معتاد. الرجل الذي اعتاد أن يخرج قبل أن تستيقظ الشمس ويعود بعد أن ينام العالم قرر فجأة أن يظل حاضرا حاضرا في الردهة في غرفة المعيشة في الحديقة كأنه يراقب شيئا لا يعرف كيف يقترب منه.
وفي فترة العصر بينما كانت صوفيا ترسم فوق الشرفة في هدوء اقترب أندريه من لورا لأول مرة من غير سبب واضح. ناداها بصوت منخفض
لورا
التفتت بدهشة.
نعم يا سيد فالينتي
أشار بيده نحو الحديقة
هل عندك وقت نتكلم
سارا معا حتى الطرف البعيد حيث لا يصل صوت صوفيا ولا ضحكاتها. وقف أندريه لحظة يحدق في الأشجار وكأنه يبحث عن الكلمات.
كنت محتاج أعتذر عن اللي حصل امبارح وعن إني اتأخرت في التدخل.
ردت بابتسامة خفيفة
دعوتني للجلوس وده كان أكتر مما توقعت.
هز رأسه نادما
المفروض يبقى طبيعي. إنت بتعتني ببنتي وبتحبيها. ده وحده كفيل باحترامك مش إهانتك.
لم تعرف لورا ماذا تقول فصمتت. تابع هو
سمعت جزء من كلامك وصوفيا الصبح عن الشخص اللي فقدتيه.
تجمدت ملامحها فجأة.
مش بحب أتكلم في الموضوع
قال بهدوء يشبه الهمس
أنا فاهم. بس كان ضروري تعرفي إني شايف شايف اللي بتعمليه علشان صوفيا وشايف التغيير اللي حصل فيها من يوم ما جيتي. وده شيء ممتن له.
قالت بسرعة تهرب من الثقل
أنا بس بعمل شغلي.
ابتسم ابتسامة صغيرة كأنها اعتراف
لا بتعملي أكتر بكتير. وكنت حابب أعرف إيه اللي خلاك توصلي هنا
تنفست لورا بعمق كأنها تخرج سنوات كاملة من صدرها.
الفواتير أم تعبانة حياة بتزقك لحتت مش مختارة. نفس الطريق اللي بياخد آلاف الستات لبيوت زي بيتك.
سأل بهدوء فيه شيء غامض
وبس
نظرت في عينيه لأول مرة من غير خوف
وبس. عايزني أقول إيه غير كده
لم يرد. لكن عينيه قالتا كل شيء أنه يعرف. يعرف إنها مش بس بتشتغل إنها بتجري من شيء موجع من ماض تقيل من ذكرى بتلاحقها كل ليلة. يعرف لأنه هو كمان بيهرب.
قال في النهاية بصوت خافت
لو حبيتي في يوم تتكلمي أنا فاهم يعني إيه الواحد يعيش مع أشباحه.
وقبل ما ترد كان قد عاد إلى الداخل.
حين وصلت لورا لبيتها في العاشرة كانت منهكة حد الألم. أمها جالسة أمام التلفاز الصغير ضوء خافت على وجهها المتعب.
سألتها
ازاي كان يومك يا بنتي
قالت
طويل.
حدقت الأم فيها للحظة بعين خبيرة تعرف ابنتها أكتر من نفسها.
في حاجة متغيرة فيك. عينيكي شكلها مش زي كل يوم.
مفيش يا أمي.
ابتسمت الأم ابتسامة تعرف فيها الحقيقة. لكنها لم تضغط.
تناولتا العشاء البسيط ثم تمددت لورا على سريرها الضيق تحدق في السقف المشقوق. حاولت تنام لكن كلمات أندريه عيونه طريقته كل ده لف حوالين عقلها زي دوامة. وخافت لأنها لأول مرة من سنين حست إنها مش لوحدها.
وفي الطرف التاني من المدينة كان أندريه هو كمان مش قادر ينام. مستلقي على سرير فخم ما بيحسش فيه بأي دفء. يفكر في وجه لورا في تعب إيديها وفي الحزن اللي ساكن جواها ويدرك فجأة إنه لأول مرة من بعد طلاقه قلبه اتحرك.
مش مجرد اهتمام حاجة أعمق. رابطة ما تتسماش.
بدأ الأمر يوم الثلاثاء كحة بسيطة لصوفيا. يوم الأربعاء بقت كحة متواصلة. الخميس بدأت الحرارة.
وضعت لورا يدها على جبين الطفلة فشهقت
إنتي ولعة يا صوفيا! لازم نقول لوالدك.
ظهر أندريه خلال دقايق. قلقه واضح. اتصل فورا بالطبيب وحضر الدكتور مينديش بسرعة. فحصها استمع لرئتيها وتغير وجهه.
عندها التهاب في الجهاز التنفسي ومحتاجين نروح المستشفى نطمن.
مستشفى قالت صوفيا بصوت مرعوب.
لورا
أنا معاكي.
قال أندريه
مفيش داعي أنا هبقى معاها.
لكن صوفيا تمسكت بلورا كأنها طوق نجاة
أرجوكي تعالي.
اضطر أندريه للموافقة.
في المستشفى اتبين إنه التهاب رئوي بسيط لكنه يحتاج أيام علاج. دخلت صوفيا غرفة صغيرة هادئة مليانة أجهزة تطن بين وقت وآخر.
ولم تتركها لورا لحظة. تجاهلت كل محاولات الممرضات لإخراجها للراحة. ظلت ممسكة بيد صوفيا تحكيلها حكايات وتغني لها أغاني طفولتها.
وحين طلب أندريه منها أن ترجع للبيت رفضت بعزم لم يعتده منها
مش همشي. ولو احتاجتني في لحظة ومش موجودة
ثم نظرت في عينيه مباشرة
مع احترامي إنت كنت غايب كتير. أنا هفضل هنا.
كانت الكلمات مؤلمة وصريحة وملامحه اهتزت كأنه تلقى نظرة تكشفه.
قال بعدها بخضوع نادر
معاكي حق.
وسحب كرسي وجلس في الجهة التانية من سرير صوفيا.
وهكذا ظلا ليلتها اثنان يحميان طفلة واحدة كل بطريقته وكل يراقب الآخر من بعيد وكأن الليل يكتب بينهما بداية لا يعرفان إلى أين ستنتهي.
كانت الليلة ممتدة كظل ثقيل لا ينقضي. ظلت صوفيا تتقلب تحت وطأة الحمى تتشبث بالملاءة وتصدر أنينا متقطعا بينما يدخل الممرضون ويخرجون على فترات منتظمة يراقبون العلامات الحيوية ويعدلون الجرعات ويتهامسون بقلق مكتوم. لم تذق لورا طعم النوم لحظة واحدة وكذلك أندريه الذي جلس طوال الليل مستندا إلى حافة المقعد كأن الخوف نفسه يمنعه من أن يرمش.
وعند الثالثة فجرا استسلم جسد الصغيرة للنوم أخيرا كمن يعلن هدنة قصيرة. غمر السكون الغرفة حتى بدا أن كل شيء يتنفس على مهل. تبادل أندريه ولورا نظرة عابرة في شبه الظلام قبل أن يسأل بصوت هادئ متعب
لماذا تفعلين كل هذا
رفعت عينيها إليه مستنكرة السؤال
أفعل ماذا
قال بنبرة حاول أن يجعلها متزنة
تضحين بهذا الشكل لأجلها.
أجابته دون أن تزيح نظرها عن صوفيا
لأن شخصا ما يجب أن يفعل. ولأني أمها أو كان ينبغي أن أكون كذلك.
صمت قليلا ثم قال بمرارة لا يجيد إخفاءها
كان ينبغي ولكنك لم تكوني.
لم تنزعج لورا كانت كلماته صادقة أكثر من كونها قاسية فابتسمت ابتسامة خفيفة وانخفض صوتها
أعرف.
أطرق أندريه رأسه كأنه يعترف بذنوب عمر
أدرك أني خذلتها. بعد رحيل كاميلا ضعت تماما. كان العمل أسهل من مواجهة الألم أسهل من أن أرى سؤال صوفيا في عينيها كل يوم لماذا تركتني ما العيب الذي في
حدقت فيه لورا مليا وقالت
لا عيب فيها. إنها طفلة كاملة جميلة نقية.
قال بصوت متهدج
أعرف لكنها لا تصدق. والذنب ذنبي.
رفعت رأسها نحوه وقالت
لم يفت الأوان يا أندريه.
كانت تلك المرة الأولى التي تناديه فيها باسمه فرفع نظره إليها بدهشة صغيرة وكأن تلك الكلمة اخترقت شيئا ما داخله. أكملت بهدوء
ما زال بإمكانك أن تكون الأب الذي تحتاجه. ما زال بإمكانك رؤيتها حقا كما يجب.
ساد صمت عميق قبل أن يسأل بصوت خفيض
كيف بعد كل ما فقدت استطعت أن تحبي من جديد
أضاءت الدموع عينيها كوميض مؤلم
من قال إنني استطعت أنا أقاوم ذلك كل يوم. أقاوم الخوف من التعلق الرعب
سأل وقد علا صوته بقدر ما غلبه الفضول
ما اسمها الصغيرة التي فقدتها.
ترددت لورا طويلا قبل أن تنطق
ماريا لويزا. كانت في الثالثة. توفيت بسبب اللوكيميا.
أغمض أندريه عينيه بقوة وقال
أنا آسف حقا.
تمتمت
كانت كل شيء. وبعد رحيلها صرت أعيش بلا رغبة في الحياة. أستيقظ أعمل أنام ولا أشعر بشيء لأن إحساسا واحدا كان كافيا ليمزقني.
قال بهدوء يشبه الاعتراف
أفهم ذلك.
ثم أضاف بعد لحظة
ما دمرني لم يكن رحيل كاميلا بل الطريقة التي رحلت بها. ذهبت دون أن تلتفت كأن سنواتنا وابنتنا وحياتنا لا قيمة لها.
قالت لورا
أنت وصوفيا تحملان جرح الرفض ذاته لكنها تحمله مضاعفا.
نظر كلاهما إلى صوفيا وهي تنام بسلام هش ثم همست لورا
لقد أنقذتني من دون أن تدري أعادت إلي الشعور رغم الألم.
نهض أندريه واقترب من النافذة حيث كانت أضواء المدينة ترتجف في البعيد. قال بصوت منخفض
أنا أغبطك.
على ماذا
على الشجاعة شجاعتك في السماح لنفسك بأن تحبي.
أجابت دون أن تلتفت
ليست شجاعة. إنه البقاء.
التفت إليها وقال
وهل هناك ما هو أصعب من البقاء
اقترب ببطء ثم سألها
وأنت ألا تحتاجين إلى أحد
ارتبك قلبها. تلعثمت
لا أدري.
قال
دعيني أقولها بوضوح أنت تستحقين أحدا يراك حقا ويمنحك ما تستحقينه من دفء واهتمام.
جفلت أنفاسها. اقترب خطوة وكان صوته هادئا وخطرا
أنت امرأة استثنائية يا لورا وقضيت شهورا لا أرى ذلك لأني كنت أعمى بالألم والخوف والكبرياء.
قالت بصوت مرتجف
أندريه هذا جنون.
أعرف.
ولن ينجح.
أعرف.
أنا مربية ابنتك وأنت
أعرف.
اقترب أكثر حتى صار الفاصل بينهما نفسا واحدا
انظري في عيني وقولي إنك لا تشعرين بشيء.
أغمضت عينيها لحظة ثم همست
أشعر رغم أني لا أريد.
قال
فماذا نفعل
لا شيء. لأن الألم أقرب مما تظن. وصوفيا تحتاجني كاملة لا مكسورة.
قال
وماذا لو وعدتك ألا أكسرك
لا أحد يستطيع أن يعد بذلك.
حسنا أعدك أن أكون صادقا. وأن نمضي ببطء بلا ضغط بلا توقعات.
رفعت عينيها إليه ورأت صدقا لم تعهده فيه. لكن في تلك اللحظة تحركت صوفيا وأننت بصوت خافت. انحنت لورا بسرعة ومسحت دموعها
أنا هنا يا صغيرتي.
فتحت صوفيا عينيها نصف فتحة
لم تغادري
لن أغادر أبدا.
نظر أندريه إليهما وشعر أن قلبه يتشظى ويتكون من جديد في اللحظة نفسها. عرف أنه أمام الحقيقة التي طال هروبه منها.
عادت صوفيا إلى المنزل يوم الأحد. ما زالت تحتاج رعاية دقيقة فانتقلت لورا عمليا إلى القصر تراقب تنفسها ليلا تحضر وجبات خفيفة وتحرص على مواعيد الدواء.
وأندريه
كان كل يوم يزداد تعلقا بها حتى صارت التفاصيل الصغيرة تكفي لزلزلة قلبه صوتها
أما لورا فكانت تشعر بتوتر يتصاعد كلما حضر. مجرد اقترابه كفيل بارتباك أنفاسها. لم يتحدثا عما دار بينهما تلك الليلة لكن الصمت كان يمتلئ
متابعة القراءة