مُربّية فقيرة… ومائدة يجلس حولها أصحاب الملايين، وثلاثون ضيفًا يحدّقون بها كأنها بلا قيمة
المحتويات
بأشياء كثيرة نظرات تطول أيد تقترب ثم تتراجع كلمات تنزلق من أعماق القلب.
وفي صباح الخميس حين عاد أندريه مبكرا وجد لورا في الحديقة تراقب صوفيا وهي تطارد الفقاعات. اقترب وقال
إنها تتحسن بسرعة.
ابتسمت
الأطفال معجزات صغيرة.
قال
وكذلك أنت.
قبل أن ترد دوى جرس الباب.
تقدم أندريه نحو المدخل ولحقت به لورا بدافع غريزة لا تستطيع تفسيرها.
فتح الباب فإذا ببياتريس ومارسيلا تندفعان إلى الداخل ببرود متكبر أناقة صاخبة وعطر يملأ الهواء.
قبلت بياتريس خد ابنها قبلة باردة وقالت
نريد الحديث فورا.
تطلعت مارسيلا حول المكان ثم وقعت عيناها على لورا فتغير وجهها بنفور صريح
ما تزال هنا.
قال أندريه
صوفيا كانت مريضة. بقيت لأنها تساعد.
ردت مارسيلا بحدة
وصوفيا الآن بخير. قرأت تقرير الطبيب. فما حجتكما الآن
تدخلت بياتريس وأخرجت ظرفا من حقيبتها الفاخرة
في الأيام الماضية تلقيت مكالمات من سيدات في النادي ومن صديقات ومن بعض الحاضرين في ذلك العشاء المزعج.
حاول أندريه أن يعترض لكنها أشارت له كي يصمت
الناس يتحدثون يا أندريه. يتحدثون عنك وعنها.
شعر أندريه بالغضب يتصاعد في صدره كشرارة تشق الصمت.
قال بحدة
أهو اسم العائلة الذي تخشينه أم سمعة دوائركم الاجتماعية
رفعت بياتريس ذقنها باستعلاء
لا تكن ساخرا. أنت تعلم تمام العلم مقدار أهمية الصورة في محيطنا.
رد ببرود لاذع
محيطكم لا أذكر أنني اخترت يوما أن أنتمي إليه.
تقدمت مارسيلا خطوة إلى الأمام وكأنها تستعد للهجوم
أندريه تحل بالقليل من التعقل. هذه المرأة لا تنتمي إلى عالمنا. لا تحمل تعليما مرموقا ولا مكانة اجتماعية محترمة ولا تملك ما تقدمه لك سوى أيا كان ما تظن أنك تجده عندها.
كانت كلماتها كسكاكين تمزق لورا من الداخل. شعرت بالطعنة في كل حرف.
التفتت مارسيلا إلى لورا مباشرة ونبرة الاستعلاء تنزف من صوتها
لا شيء شخصي يا عزيزتي لكن هناك نظاما طبيعيا للحياة. أشخاص مثلنا وأشخاص مثلك لا يختلطون.
تقدم أندريه خطوة ووضع نفسه بينهما جسده حاجز يحمي لورا من الكلمات قبل الأيدي
إياك أن تتجاوزي حدودك.
قالت مارسيلا بلا تردد
سأقول الحقيقة. هذه المرأة جاءت طمعا في المال والفرص وللأبواب التي تستطيع أنت فتحها لها. وعندما تحصد ما تريد سترحل. تماما كما فعلت كاميلا.
زمجر أندريه بلهجة حادة
لا تجرؤي على مقارنة لورا بكاميلا. ليست كل النساء سواء.
رفعت مارسيلا حاجبا
الفرق الوحيد يا أخي العزيز أن كاميلا كانت من طبقتنا. أما هذه فحتى ذلك لا تملكه.
شعرت لورا بحرارة الدموع تسري في عينيها لكنها أبت أن تكون ضعفا أمامهما. أجبرت الدمع على التراجع وكأن كبرياءها يسندها رغم النزيف الداخلي.
تنهدت بياتريس بإرهاق مصطنع ثم قالت
طالما التلميح لا يجدي فلنكن مباشرات.
أخرجت ظرفا أنيقا من حقيبتها ومدته إلى لورا.
خمسون ألف ريال نقدا. أكثر مما ستكسبينه في سنوات. كل ما عليك فعله أن تغادري. أن تختفي من حياة ابني وحياة حفيدتي. من هذا البيت ومن هذه المدينة.
حدقت لورا في الظرف وكأنه عقرب جاهز للسع.
أأنت تحاولين شرائي
أجابت بياتريس ببرود معدني
أسميه حلا مناسبا للجميع. أنت تكسبين أندريه يصحو إلى رشده وصوفيا تحصل على مربية لائقة. هكذا يربح الجميع.
قالت لورا بثبات مؤلم
الجميع إلا صوفيا. فهي الخاسر الأكبر لأنها ستفقد شخصا يحبها.
رفعت مارسيلا عينيها إلى السقف باستهزاء فاضح
إنها طفلة. الأطفال يتجاوزون كل شيء. بعد بضعة أشهر لن تتذكر حتى اسمك.
اشتعل الغضب في صدر لورا فجأة كأنه كان ينتظر شرارة.
قالت بصوت مرتجف لكنه ثابت
أنتم لا تفهمون شيئا في الحب أليس كذلك بالنسبة إليكم الناس سلع والعلاقات صفقات وكل شيء له ثمن. لكنني لست للبيع.
دفعت الظرف بعيدا. تطاير الهواء من حولها كأن الغرفة تنفست معها.
وأضافت بحزن يقطر صدقا
ولو كنتم تحبون صوفيا حقا لعرفتم أن ما تحتاجه ليس مربية أنيقة لتجمل صورتكم بل أشخاصا يحبونها بلا شروط بلا أجندات بلا تكلف. لأنها تستحق ذلك وأكثر.
ضحكت بياتريس ضحكة باردة قاسية لا حياة فيها
انظروا إليها خادمة تتحدث عن الحب وكأنها أميرة. يا له من أمر مسل.
صرخ أندريه فجأة صوت يشق الجدران
كفى!
ارتجفت القاعة بصدى غضبه.
قال بصوت لا يقبل اعتراضا
ستغادران الآن.
تقدمت بياتريس خطوة محاولة التخفيف من الموقف
أندريه لا تكن متسر
قاطعها
قلت الآن. ولا تعودا إلى هذا البيت حتى تتعلما احترام لورا.
شحب وجه بياتريس.
أأنت تختار هذه المرأة علينا
قال بهدوء يشبه العاصفة قبل هبوبها
أنا أختار الكرامة. أختار الحب. أختار أن أكون إنسانا بدل آلة اجتماعية مبرمجة لإرضاء أشخاص فارغين.
تقدمت مارسيلا بتهديد خافت
ستندم يا أندريه. حين تستغلك وترميك حين تأخذ ما تشاء ثم تختفي ستتذكر هذا اليوم.
رد بصوت ثابت
لن تفعل. لأن لورا بخلافكما تملك ضميرا وقلبا وروحا.
خطفت بياتريس حقيبتها وقالت بحدة
حسنا. لقد اخترت. لكن لا تطلب منا يد المساعدة عندما ينهار كل شيء. وسوف ينهار فالطبقات لا تختلط دون أن تتحطم.
وغادرتا القصر تخلفان وراءهما صمتا ثقيلا كالحطام.
كانت لورا ترتجف حتى كادت أصابعها لا تستقر في مكانها.
التفت إليها أندريه وصوته يفيض قلقا
هل أنت بخير
هزت رأسها
لا لست بخير. هن على حق في كل شيء.
قال بسرعة
هن مخطئات تماما.
ردت
بل على حق. أنا لست من عالمك ولن أكون. وكلما بقيت هنا ازداد كلام الناس وازداد الضغط على صوفيا وازداد الألم.
قال
صوفيا تتألم بدونك أكثر.
أجابت بصوت مكسور
وستتأذى أكثر لو أصبحت محور فضيحة. الأطفال قساة يا أندريه. سيهينونها
سأل بصوت يخشى الجواب
إذن ماذا تقولين
مسحت دموعها التي صارت أقوى منها
أقول إنني لم أعد أستطيع البقاء هنا. لست قادرة على تحمل أن أكون سببا في تمزيق حياة طفلة.
قال
أنت لست السبب.
ردت
لا يهم من يبدأ المهم من يدفع الثمن. وصوفيا تدفعه.
تنفست بعمق ثم قالت
وأنا اعتدت الألم. اعتدت أن أعيش بالكاد. فكرة أنني قد أملك شيئا أفضل كانت مجرد وهم.
قال برجاء يكسر كل كبريائه
لورا لا تفعلي.
أجابت بشبح ابتسامة
لقد فعلت.
نزعت المئزر عن خصرها طوته ببطء وكأنه آخر خيط يربطها بالمكان ووضعته على الطاولة.
سأصعد لأجمع أغراضي وأرحل اليوم.
قال بقلق
وصوفيا
أجابت بصوت يتكسر
قل لها إنني اضطررت إلى الذهاب بسبب أمر طارئ في عائلتي. وقل لها إنني آسفة. وأنها ستكون بخير.
قال بحزن واضح
لن تكون بخير بدونك.
ردت
الأطفال أقوى مما نظن.
وصعدت الدرج كل خطوة ثقيلة كأنها تصعد جبلا من الألم.
دخلت غرفة صوفيا. كانت الصغيرة نائمة بسلام نادر أنفاسها متساوية.
جثت لورا بجوارها مررت يدها في شعرها بحنان يذيب القلب وهمست
سامحيني يا صغيرتي سامحيني لأنني لست قوية بما يكفي لأبقى.
قبلت جبينها قبلة طويلة ثم غادرت قبل أن ينهار ما تبقى من صمودها.
بعد عشرين دقيقة وصلت إلى الباب الخلفي تحمل حقيبة خفيفة وثقلا لا يحمل.
كان أندريه ينتظر هناك وجهه شاحبا عيناه متعبتان.
قال برجاء خافت
دعيني أوصلك على الأقل.
هزت رأسها
لا داعي.
قال بضعف لم تعرفه فيه
لورا أرجوك.
نظرت إليه طويلا كانت تلك اللحظة كجملة مؤلمة لم ينطق بها أحد.
قالت بصوت يكاد ينكسر
اعتن بها يا أندريه كن الأب الذي تستحقه.
وأما أنا فانس أمري.
قال بصدق هزه هو نفسه
لا أستطيع أن أنساك.
ردت
ستضطر.
واستدارت ومشت نحو الخارج دون أن تلتفت.
وبقي أندريه واقفا يشاهد الشيء الوحيد الحقيقي في حياته يغادر من الباب الذي دخلت منه ذات يوم.
وللمرة الأولى منذ كان طفلا
بكى أندريه فالينتي.
لم تمض سوى ثلاثة أيام على غياب لورا لكن الزمن بدا لصوفيا وكأنه تمدد حتى صار عمرا كاملا. انطفأت الصغيرة فجأة توقفت عن الطعام عن اللعب وصارت تجلس بجوار نافذتها ساعات متصلة تحدق نحو البوابة كأنها تنتظر معجزة. جرب أندريه كل ما خطر بباله ابتاع لها ألعابا جديدة اصطحبها إلى الحدائق بل واستقدم مربية ذات سيرة لامعة وخبرة طويلة.
لكن صوفيا لم ترفع عينيها إليها قط. وفي الليلة الرابعة دخل أندريه غرفة ابنته فوجدها تبكي بصوت خافت في العتمة. جلس بجوارها
ما الذي يبكيك يا صغيرتي
أجابت وهي تتشهق أريد لورا أريدها الآن.
همس أعرف يا حبيبتي.
قالت بكسرة قلب هي لا تهتم لم تأت لتطمئن علي لم تعد تحبني.
شعر أندريه بوخزا يمزق صدره.
قال بل تحبك حبا
نظرت إليه بعينين دامعتين وسألته
إذن لماذا ذهبت لماذا تركتنا
أجاب وهو يحاول أن يحافظ على صوته ثابتا لأن الظروف كانت معقدة.
تمسكت بقميصه وقالت أنا طفلة لكنني لست غبية. سمعتك تتشاجر مع الجدة والعمة مارسيلا. هما قاسيتان تكرهانني تنظران إلي كأنني شيء خاطئ لكن لورا لورا تجعلني أشعر أنني إنسانة.
أندريه بقوة وقال أنت لست خطأ يا صوفيا. أنت أجمل ما في حياتي. أنا من يجب أن يعتذر لك لأنك رأيت أمورا لم تخلق طفلة لتحملها.
رفعت رأسها وسألته
هل ستعيد لورا إلينا
تردد ثم قال لا أدري إن كانت ترغب في العودة.
نظرت إليه بغضب طفولي موجوع أنت لم تحاول أصلا.
وشعر كأن صفعة أيقظته من غيبوبة طويلة. كانت على حق. ترك لورا ترحل ووقف متفرجا خائفا مستسلما للضغط تماما كما فعل طوال زواجه بكاميلا يقبل ما لا يقبل ويصمت عندما كان يجب أن يقاتل.
والآن للمرة الثانية يخسر من يحب لأنه لم يمتلك الشجاعة ليقف أمام العالم.
همس نعم كان يجب أن أحاول.
قالت الصغيرة إذن حاول الآن. افعل شيئا.
نظر في عينيها ورأى فيهما حكمة لا تليق بسنها.
سألها وإن رفضت العودة
قالت على الأقل تعرف أنك حاولت وأنها غالية علينا.
قبل جبينها وقال مبتسما بأسى متى أصبحت حكيمة هكذا
أجابت بثقة طفلة صادقة أظن أنني تعلمت ذلك من لورا.
قضى ليلته كلها يتقلب فوق السرير عاجزا عن النوم. وحين حل الصباح كان قد اتخذ قراره سيبحث عن لورا سيصارحها وسيقاتل لأجلها كما لم يقاتل من قبل. لكن هاتفه رن. كان محاميه.
أندريه لدينا مشكلة طارئة. كاميلا قدمت طلبا لنيل حضانة صوفيا.
تجمد صوته ماذا!
تابع المحامي تقول إنك مهمل وإن علاقتك بالمربية علاقة غير مناسبة وإن الطفلة تعيش في بيئة غير مستقرة عاطفيا.
اشتعل الغضب في عروقه.
لقد هجرت صوفيا عامين كاملين! لم تتصل لم ترسل حتى بطاقة تهنئة! كيف تتجرأ الآن
قال المحامي بخفوت الأمر يتعلق بالمال. شركتك حققت ربع سنة ممتازا والأرقام منشورة. كاميلا تعرف أن صوفيا وريثتك.
تمتم أندريه المال دائما المال.
قال المحامي الجلسة يوم الاثنين. عليك الاستعداد.
أجاب سأكون هناك.
أغلق الهاتف ووضع يديه على وجهه. كيف تهاوى كل شيء بهذه السرعة وصلت الاستدعاءات يوم السبت وحدد الموعد الاثنين التاسعة صباحا محكمة الأسرة. جلس ذلك المساء يخبر صوفيا بالحقيقة.
غدا سنذهب إلى المحكمة يا صغيرتي.
سألته بقلق لماذا
قال أمك تريد أن تعيشي معها.
شحبت ملامحها. لا أريد! هي لا تريدني تريد مالك!
قال وهو يتنفس بمرارة لكنها ما تزال أمك قانونيا. القاضي سيطلب رأيك.
أجابت بلا تردد أريد البقاء معك وأريد لورا.
سألته هل ذهبت إليها
خفض عينيه ليس بعد لكنني سأذهب. أعدك.
قالت بجدية تفوق عمرها الوعد يجب أن ينفذ يا أبي.
رد
حل يوم الاثنين تحت سماء رمادية مثقلة. ارتدى أندريه أفضل ما عنده وارتدت صوفيا ثوبا بسيطا رتبته كما كانت لورا تفعل. ظهرت كاميلا في المحكمة بكامل أناقتها مرافقها محام شهير وملف
متابعة القراءة