طردَ مليارديرٌ ستَّ خادمات بسبب ابنته المدلّلة المكتئبة إلى أن جاءت الخادمة السابعة الفقيرة
كانت تجلس على طرف الكرسي بينما تعزف الفتاة تبتسم عندما تخطئ وتومئ لها عندما تتردد كأنها تقول لها بصمت
أنا هنا تابعي
ببطء شديد كأن روحهما تتعلمان السير من جديد بدأت إيميلي تتقبل وجودها لم يكن قبولا صريحا بل سلسلة خطوات صغيرة تكاد لا تلاحظ
نظرة أقل غضبا كلمة لا تحمل سخرية ثم صباح لم تغلق فيه الباب بوجهها
بعد أسابيع بدأت صوفي تدخل طقوسا بسيطة إلى حياة الفتاة
كانت تعد الفطور في المطبخ لا في قاعة الطعام المهيبة التي تشبه قاعة عرش أكثر مما تشبه بيتا
كانت تدعوها لتساعدها في رعاية الورود التي زرعتها والدتها في الماضي تلك الورود التي جفت حين جف الفرح في البيت
وكانتا تخرجان أحيانا لنزهات قصيرة في الحديقة خطوتين فقط خارج الباب في البداية ثم أربعا ثم دورة كاملة حول النافورة
كانت إيميلي تقاوم في البداية تتذمر وتتوقف وتدعي التعب لكن صوفي كانت صبرا متجسدا صبرا ناعما كالماء ينساب يلتف ثم يجد طريقه
وكانت تقول لها كثيرا
لك أن تغضبي من العالم إن أردت لكن لا تنسحبي منه
وفي أحد الصباحات الباردة عاد ريتشارد من رحلة عمل مبكرة على غير عادته وما إن دخل المطبخ حتى تجمد في مكانه
كانت ابنته تضحك
كانت تضحك بملء صوتها بينما كانت صوفي تعلمها كيف تقلب الفطائر في المقلاة دون أن تلتصق
ضحكة ناعمة لكنها صافية حقيقية تشبه تلك التي كان يسمعها قديما عندما كانت
لم يعرف ريتشارد كيف يتصرف وقف طويلا عند الباب يحدق في المشهد كأنما يخشى أن يتحطم لو اقترب أكثر
بعد ساعة استدعى صوفي إلى مكتبه
قال لها وهو يحاول إخفاء ارتباكه
لا أعرف ما تفعلينه لكن تابعي لقد تغيرت
فاكتفت بابتسامة خفيفة وقالت
هي لا تحتاج إلى خادمة يا سيد لانغفورد بل إلى من يصدق أنها تستحق الإنقاذ
إلا أن الطريق لم يكن مستقيما
فالقلوب التي تنكسر مرة تخشى الانفتاح
وفي إحدى الليالي بينما كانت إيميلي تنظف البيانو وجدت بحركة عشوائية رسالة قديمة كانت عالقة تحت المقعد
رسالة غير مكتملة كتبتها مارغريت بخط يدها
كانت الجملة الأخيرة تقول
إن لم أكن معك أرجوك تابعي العزف
ما إن قرأتها الفتاة حتى انهار السد كله
اندفعت إلى ريتشارد متهمة إياه بأنه أخفى الرسالة عنها طوال تلك السنوات وأنه كان يحاول محو أثر والدتها من حياتها
لم يعرف الرجل بماذا يرد
كانت الطعنة أكبر من الكلمات
تدخلت صوفي
اقتربت ببطء كأنها تمشي فوق زجاج وقالت بصوت منخفض
والدتك لم تخف هذه الرسالة عنك الحياة هي من أخفتها الأشياء تضيع أحيانا دون قصد
ثم وضعت يدها بخفة على أصابع إيميلي المرتجفة وأكملت
والدتك ما زالت هنا في موسيقاك لا تدعي الألم يدفن صوتها
وفي تلك الليلة جلست إيميلي
عزفت لحن والدتها المفضل كان هشا كأجنحة فراشة لكنه حي يتسلل داخل الجدران ويهز حتى الغبار المترسب فيها
كان ريتشارد يقف خلف الباب يضع كفه على الجدار ودموع نسيها الزمن تنحدر بصمت
بعد أسابيع قليلة تقدمت صوفي باقتراح بدا غريبا في البداية
أن تعلم إيميلي الموسيقى لأطفال من دار أيتام قريب
ترددت الفتاة ثم وافقت
وحين ضحك الأطفال حولها وتعثرت أصابعهم الصغيرة فوق المفاتيح شعرت وكأن شقوقا عميقة في قلبها ترتق بخيوط ضوء
كان القصر يتغير
يستعيد نفسه وكأنه يبصر الشمس للمرة الأولى منذ موت مارغريت
ومع مرور الأشهر أدرك ريتشارد أن ما تغير ليس ابنته فقط بل البيت بأكمله
ستائر فتحت بعد أعوام من الإغلاق
ورود عادت تتفتح
أحاديث خفيفة في الممرات بعد أن كانت تتردد فيها الخطوات فقط
وموسيقى موسيقى تملأ الهواء ولا تخاف من الصمت
عندها قرر أن يمنح صوفي ترقية كبيرة وراتبا سخيا
لكن حين استدعاها ذلك الصباح لم يجدها
وجد بدلا من ذلك ورقة صغيرة على طاولة المطبخ
سيدي لانغفورد
إيميلي لم تعد بحاجة إلي
لقد استعادت موسيقاها
أنا ذاهبة إلى عائلة أخرى تحتاج المساعدة
أرجو ألا تبحثوا عني
صوفي
جلس الرجل طويلا يدرك للمرة الأولى أن صوفي لم تكن تسعى إلى مال ولا إلى مقام بل كانت تبحث عن معنى كانت امرأة تأتي حين يختنق البيت وتغادر حين يعود
وحين علمت إيميلي برحيلها ركضت إلى غرفة الموسيقى وجلست تعزف كل ما تعلمته منها
وحين انتهت همست بالقرب من نافذة مفتوحة على الليل
شكرا يا صوفي سأستمر في العزف
بعد عام كامل قدمت إيميلي أول حفل خيري للأطفال المحرومين
وحين صعدت إلى المسرح قالت أمام الجمهور
أهدي هذا الحفل إلى امرأة علمتني أن اللطف يشفي ما لا تشفيه السنوات
وقف الجميع يصفقون
وفي الصف الأخير
كانت صوفي جالسة بهدوء
ابتسمت والدموع تلمع في عينيها وحين وقف الحضور احتراما خرجت بهدوء كما جاءت
على مقعد ريتشارد بعد انتهاء الحفل وجد ظرف صغير بداخله وردة مجففة وعبارة واحدة
كل بيت يمكنه أن يجد لحنه من جديد
وفي تلك الليلة حين جلست إيميلي قرب نافذتها تعزف بدا القمر معلقا فوق القصر مثل مصباح فضي يرعى خطواتها
كان ريتشارد يقف عند الباب يرى في ابنته ليس وجع السنوات الماضية بل معجزة صغيرة تولد كلما لامست أناملها المفاتيح
اقترب منها وقال بصوت مبحوح
والدتك ستكون فخورة بك
ابتسمت الفتاة وقالت
وأظن أن صوفي ستكون كذلك
كان ذلك اعترافا وامتنانا ودعاء لامرأة رحلت كما جاءت
نسمة هادئة أعادت لقلب كسير
قدرته على النبض
أما صوفي فكانت تمشي في طرقات مدينة أخرى تحمل حقيبتها القديمة وترحل نحو بيت جديد يحتاج الضوء
كانت تعرف أن أعظم الشفاءات تبدأ بلمسة هادئة
وأن
يمكنه أن يجد لحنه من جديد إذا وجد من يربت عليه بلطف