أهانت مديرة متعجرفة رجلًا ظنت أنه مجرد عامل نظافة بسيط
المحتويات
مزينة بشهادات وجوائز
جلس على كرسي الجلد شغل الحاسوب ثم التقط الهاتف الداخلي
كريستينا أنا رافاييل
الحمد لله!
لم تخف مساعدته ارتياحها
بدأت أقلق فعلا كيف كانت التجربة ماذا اكتشفت
اكتشفت أن الوضع أعقد بكثير مما تخيلت
مرر يده على عينيه المتعبتين
واكتشفت أنني فشلت فشلت أكثر مما كنت مستعدا أن أعترف به
ساد صمت لحظات في الطرف الآخر
ماذا تريد أن أفعل
استدعي اجتماعا عاما كل الموظفين في هذا المبنى في القاعة الرئيسية التاسعة صباحا واجعلي الأمر واضحا الحضور إلزامي من المتدرب إلى أعلى مدير
رافاييل هذا يعني أكثر من مئتي شخص أنت متأكد
متأكد تماما
تردد لحظة ثم أضاف
وشيء مهم آخر أريدك أن تطلبي من باتريسيا ألميدا الحضور أعرف أنها طلبت إجازة مرضية لكن هذا لا يمكن تأجيله
باتريسيا
كان صوت كريستينا حذرا
ماذا حدث لها
ستعرفين مع الجميع
واستطرد
واستدعي محامي الشركة أيضا أريدهم شهودا
أغلق قبل أن تطرح مزيدا من الأسئلة
فتح ملفات الموارد البشرية خصوصا الشكاوى المقدمة خلال العامين الماضيين
بدأ يطبع كل واحدة منها كل شكوى أغلقت دون تحقيق جاد كل قصة معاناة جرى التقليل من شأنها
وفي الوقت نفسه طبع شيئا آخر تقارير الأهداف المستحيلة التي وضعها هو نفسه رسائل البريد التي يضغط فيها من أجل نتائج أعلى المطالبات بالكفاءة دون أي اعتبار للكلفة البشرية
كانت 87 صفحة في المجموع وثيقة كاملة لمشاركته هو في المشكلة
بحلول الثامنة والنصف كانت أخبار الاجتماع الطارئ قد انتشرت في كل طوابق المبنى
الهمسات في الممرات النظرات القلقة تكهنات لا تنتهي
بعضهم ظن أن هناك موجة تسريح جماعي قادمة وآخرون تحدثوا عن اندماج أو بيع محتمل
لم يتخيل أحد الحقيقة
وصلت باتريسيا في الثامنة والخمسين بتردد ظاهر
اضطرت كريستينا للاتصال بها ثلاث مرات حتى تقنعها بالمجيء كانت متهالكة بشكل واضح بلا مساحيق تجميل هالات داكنة تحت العينين وملابس أقل عناية من المعتاد وكأنها شاخت سنوات في ليلة واحدة
في التاسعة وخمس دقائق كانت القاعة ممتلئة عن آخرها أكثر من مئتي شخص محتشدين قلقين فضوليين كان الهمس يصم الآذان نظريات وتكهنات تتطاير جلست باتريسيا في الصف الأول إلى جانب مدراء آخرين صامتة تماما تحدق في يديها المرتجفتين في حجرها
في التاسعة تماما خف الضوء أضيء المسرح ودخل رافاييل ميندس إلى المنتصف انقطع الكلام فورا كأن أحدهم ضغط زر كتم الصوت للعالم رفعت باتريسيا رأسها
صباح الخير جميعا
صدح صوت رافاييل عبر الميكروفون
أعلم أن هذا الاجتماع مفاجئ وأشكركم على حضوركم
راح يمشي ببطء فوق المنصة يترك للصمت مساحة كي يثقل الجو تحدثت إليه العيون بمشاعر متباينة فضول قلق حيرة
أريد أن أبدأ بقصة قال وهو يقف في المنتصف ويداه مسترخيتان بجانبه
قصة رجل أعمال يظن أنه يعرف شركته جيدا ينظر إلى الأرقام يقرأ التقارير ويعتقد أنه يفهم ما يحدث هنا يوميا
توقف قليلا
لكنه كان مخطئا تماما
انتشر همس في القاعة بدأ بعض الحاضرين يميلون إلى الأمام أكثر انتباها
لذلك قرر هذا الرجل أن يفعل شيئا مختلفا
نزل بين الصفوف تدريجيا
قرر أن يعمل مجهول الهوية في شركته كعامل تنظيف بوثائق مزيفة وملابس بسيطة إنسان غير مرئي تقريبا ليشاهد بعينيه الحقيقة التي لا تظهرها التقارير
تحول الهمس إلى ضجيج خافت أشخاص يلتفتون لبعضهم يحاولون استيعاب الكلام بعض عمال النظافة في الخلف بدأوا يدركون ما يقوله
لأيام قمت بتنظيف الحمامات وأفرغت سلال المهملات ومسحت الأرضيات
أشار إلى بدلته الرسمية
ورأيت أشياء تخجلني بصفتي قائد هذه الشركة
اقترب من طاولة جانبية عليها الملفات التي حضرها ورفع أكبرها
رأيت موظفين يعاملون كأشياء قابلة للرمي رأيت كرامة تداس بالأقدام رأيت ثقافة من عدم الاحترام أنا من مكتبي المريح في الطابق العاشر لم أكن أراها
رفع الملف
هذه 87 صفحة من الوثائق شكاوى موظفين يحاولون التبليغ عن مشاكل ورسائل مني أنا أفرض أهدافا مستحيلة دون أي حساب للكلفة البشرية
ثم قال وهو يضع الملف
لكن لم يكن ما قرأته هو ما علمني حقا بل ما عشته ما علمني هو أن أعيش في جلد الموظف الذي يشعر أنه غير مرئي
نظر مباشرة إلى باتريسيا
ما علمني هو أن أهان علنا أن يسكب الماء على رأسي أمام زملائي على يد مديرة ظنت أن مظهري يحدد قيمتي كإنسان
انفجرت القاعة بصوت واحد شهقات صرخات ورؤوس تتمايل نحو باتريسيا كانت متسمرة في مقعدها والدموع بدأت تنساب بصمت على وجهها
باتريسيا ألميدا ناداها رافاييل دون أي نبرة انتصار في صوته بل ثقل واضح
أيمكنك الوقوف من فضلك
لم تتحرك بدا وكأنها عاجزة جسديا عن النهوض
باتريسيا
كرر بصوت أكثر صلابة
من فضلك
نهضت ببطء كأن كل حركة تستنزف ما تبقى لديها من قوة كانت ترتجف وكل العيون عليها كأضواء كاشفة تتهم
أمس سكبت الماء على رجل
قال رافاييل ببطء كل كلمة كأنها ثقل يهبط
رجل في نظرك كان يعرقل يومك أهنته أمام زملائه قلت إنه يجسد كل ما هو خاطئ لمحت إلى أنه غير كفء
توقف لحظة طويلة
ذلك الرجل كان أنا
بكى البعض وصرخ آخرون وعمت الفوضى للحظات قبل أن يرفع رافاييل يده يطالب بالصمت
لسنتين أدرت الموارد البشرية في هذه الشركة
تابع رافاييل عندما هدأ الصخب قليلا
ولسنتين قمت بإغلاق شكاوى دون تحقيق كاف وقللت من معاناة كثيرين وساهمت في خلق ثقافة يعامل فيها الناس بشكل مختلف حسب مناصبهم
اقترب منها خطوة ثم خطوة أخرى
لكن أمس عندما انفجرت في وجهي رأيت على وجهك شيئا جعلني أعيد التفكير كله
رفعت باتريسيا نظرها بدهشة وسط دموعها
رأيت الرعب
قال وهو يلتفت إلى بقية القاعة
رعب إنسان من نفسه من ما فعله للتو
سكت لحظة ثم أضاف
وهذا جعلني أسأل كيف يصل شخص كفؤ إلى هذه النقطة كيف تتحول مهنية جيدة إلى شخص يجرد الآخرين من إنسانيتهم
عاد إلى وسط المنصة
بحثت وتكلمت مع موظفين قدامى وقرأت تقارير عملك واكتشفت شيئا مزعجا
تنفس ببطء
اكتشفت أن باتريسيا لم تكن هكذا حين التحقت بالشركة
في الشهور الأولى كانت تسلم على عمال النظافة بأسمائهم وتساعد من تراه في ضيق وتطبق برامج إيجابية لتحسين مناخ العمل
ثم قال بصوت أثقل
لكنني اكتشفت أيضا أنه منذ حوالي عام فرضت أنا أهدافا شرسة لتخفيض التكاليف ضغطت على الموارد البشرية لتفعل المزيد بأقل طالبت بالكفاءة دون أن أسأل عن الثمن
رفع نظره للقاعة
ورأيت شخصا يعمل 12 إلى 14 ساعة يوميا
شخصا توقف عن تناول الغداء عن الاختلاط عن الابتسام
شخصا يغرق تحت ضغط مستحيل ومع غرقه يجر معه الآخرين
تنهد بعمق
لذا علي أن أفعل شيئين اليوم
رفع إصبعه
الأول بسيط
باتريسيا أنت مفصولة من عملك اعتبارا من الآن
ما فعلته أمس غير مقبول لا مبرر لإهانة أي إنسان
تقدم حارسان بهدوء مستعدين لمرافقتها
رفع رافاييل صوته قبل أن يتحركا
أما الشيء الثاني فهو أصعب ويخصنا كلنا
جال بنظره في الوجوه
أنا أيضا فشلت
أنشأت نظاما يسحق الناس وضعت توقعات مستحيلة ابتعدت إلى حد فقدت معه الاتصال بالواقع
أنا مسؤول إلى حد كبير عن تحول موظفة جيدة إلى شخص انهار تحت الضغط
ساد صمت ثقيل لم يتوقع أحد أن يسمع هذا الاعتراف من رئيس الشركة
لذا لا آتي إلى هنا بصفة البطل الذي اكتشف
أشار إلى نفسه
بل كإنسان أدرك أخيرا أنه بنى آلة تؤذي الناس ويحتاج إلى مساعدة كي يصلحها
نهض مارسيلو المدير المالي مترددا
رافاييل أتقصد أنها ليست مخطئة وحدها
هز رافاييل رأسه
لا أقول إن لا أحد مخطئ بل أقول إن الذنب موزع هي بتنفيذها أنا بخلق الظروف وأنتم
جال بنظره على القاعة
أنتم الذين شاهدتم وسكتم
صرخ أحدهم من الخلف
لكنها سكبت الماء عليك!
نعم وهذا خطأ ولهذا هي مفصولة
قال بحسم
لكن لو اكتفيت بطردها واستمر كل شيء كما هو سأكون قد بدلت عرضا من أعراض المرض دون علاج أصل الداء
الشخص الذي سيأتي مكانها سيتحطم هو أيضا
ثم نزل عن المنصة واتجه نحو دونا تيريزا الواقفة في الخلف مشيرا لها أن تقترب
ترددت لكنها أطاعت
هذه هي دونا تيريزا
قال عندما وصلت قربه ويدها ترتجف
تعمل هنا منذ سنوات وأمس حين أهنت أمامكم دافعت عني
ليس لأنها عرفت من أكون بل لأنها تعامل الجميع بكرامة
أمسك يدها بلطف
دونا تيريزا اعتبارا من اليوم أنت لم تعودي موظفة متعاقدة
أنت موظفة رسمية في هذه الشركة مشرفة على جودة بيئة العمل براتب كريم وجميع المزايا
انهارت بالبكاء بينما انفجرت القاعة بالتصفيق والدموع
وحين هدأ الصوت تابع
ولن ينتهي الأمر هنا
سأعيد النظر في كل عقود الخدمات الأساسية مع الشركات الخارجية
سأستعين باستشاريين مستقلين لمراجعة ثقافة الشركة
سأضع حدودا حقيقية لحجم العمل الملقى على عاتق المديرين
ثم التفت إلى صفوف التنفيذيين
والأهم سأخفض أهداف الكفاءة بنسبة 20٪
أفضل أن نربح مالا أقل على أن نربحه على حساب كرامة البشر
تبادل بعض المديرين التنفيذيين نظرات قلقة
رفع فرناندو مدير المبيعات يده
رافاييل بكل احترام المساهمون لن يحبوا هذا قيمتنا تأتي من كفاءتنا
سأشرح للمساهمين أنني أفضل شركة مستدامة على شركة تستنزف الناس
قال بلا تردد
وإن لم يعجبهم ذلك فبإمكانهم استبدالي
لكني لن أكون شريكا بعد اليوم في نظام يكسر الناس
ثم التفت إلى باتريسيا التي ما تزال واقفة بين الحراس تبكي بصوت مسموع
باتريسيا فعلت شيئا خاطئا
لكنني سأقدم لك شيئا بالمقابل
رفعت رأسها بين الرجاء والحيرة
سأدفع تكلفة ستة أشهر من العلاج النفسي لك
وسأمنحك توصية صادقة لعملك القادم
سأذكر فيها نقاط قوتك وأكون صريحا أيضا بشأن ما حدث هنا
ثم أضاف
هذا ليس تبرئة
لماذا
سألت بصوت متهدج
لماذا تفعل هذا بعدما فعلته بك
لأن أبي الذي عمل حارسا طوال حياته علمني
متابعة القراءة