يوم اكتشفت أن ابنتي لم تصب بالسرطان قط
يوم اكتشفت أن ابنتي لم تصب بالسرطان قط الخيانة التي حطمت عائلتي الجزء الأول
الجزء الأول من هذه القصة كان كفيلا بأن يترك في داخلكم غصة ثقيلة أما أنا فقد ترك في صدري ندبة لا تندمل. وما ستقرؤونه الآن هو الامتداد الحقيقي ليوم الثلاثاء اليوم الذي انهار فيه عالمي كأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدمي. ما اكتشفته في ذلك المكتب لم يكن مجرد صدمة بل خنجرا غرس في عمق قلبي خنجرا لم أتخيل يوما أن مصدره سيكون أقرب الناس إلي.
لم أستطع أن أرفع عيني عن ذلك التوقيع. كان يعرفني أكثر مما أعرف نفسي. رأيته آلاف المرات على بطاقات أعياد الميلاد على أوراق الفواتير على الملاحظات الصغيرة المعلقة على الثلاجة حين كانت تزورني. كان خط يد أختي باتريشيا.
باتريشيا أختي الكبرى. التي اعتنت بي حين ماتت أمي وأنا في الخامسة. التي أطعمتني من مالها عندما فقدت عملي. التي أقسمت لي يوم ولدت صوفيا أنها ستكون لها أما ثانية. التي ضمتني ليلتها وبكت معي حين تلقت ابنتي تشخيص السرطان أو بالأحرى حين أقنعتني بأن ابنتي مصابة بالسرطان.
لم يكن عقلي قادرا على استيعاب ما أراه. كانت الورقة ترتجف بين أصابعي كأنها قطعة من نار.
مستحيل
هكذا همست وكأن الهمس سيبطل الحقيقة.
أغلق الطبيب باب مكتبه بهدوء بارد ثم جلس قبالتي. كان على وجهه شيء هجومي مكبوت مزيج من غضب وحزن ورغبة في اختيار الكلمات بدقة.
قال بنبرة منخفضة
سيدة مارتينيز أريدك أن تستمعي إلي جيدا.
جلست لأنني شعرت أن ساقي لم تعودا قادرتين على حملي.
أختك باتريشيا تعمل في إدارة المستشفى أليس كذلك
أومأت. لم أستطع أن أنطق بحرف.
فتح الطبيب ملفا أثقل من الذي بين يدي. ثم قال
قبل سبعة أشهر هي من عالج بنفسها طلب تغطية علاج ابنتك.
كانت الكلمات تتساقط
لكن كان هناك شيء غريب منذ البداية.
أخرج ورقة أخرى ثم وضعها أمامي.
كان ذلك الملف يحتوي على جميع فحوصات دم صوفيا وكانت جميعها طبيعية.
الخزعات طبيعية.
الأشعة طبيعية.
كل شيء يشير إلى طفلة بصحة ممتازة.
شعرت كأن الغرفة تدور حولي.
لماذا إذا
خرج صوتي مكسورا وكأنني أنتزع الكلمات من حلقي.
هز الطبيب رأسه ببطء
لأن أحدهم غير النتائج.
قال الطبيب بجفاء كأنه يريد أن يقلل من جرعة الألم لكنه لا يستطيع
الفحوصات التي رأيتها أنت تلك التي حملتها إلى البيت تبكين كانت لمريضة أخرى. لطفلة مصابة بالسرطان حقا.
اتسعت عيناي. شعرت بالدم يتجمد تحت جلدي.
باتريشيا لديها صلاحية الوصول إلى سجلات المختبر. وهي من أعطتك النتائج ذلك اليوم أليس كذلك
بالطبع تذكرت. تذكرت كل شيء.
تذكرت يوم الكابوس.
كان عصر جمعة.
كانت صوفيا تعاني حمى متقطعة منذ ثلاثة أسابيع. طبيب الأطفال طلب تحاليل روتينية فقط ليطمئن. لم أشعر بقلق حقيقي بعد.
حتى رن هاتفي.
كان اسم باتريشيا يلمع على الشاشة.
تعالي إلى المستشفى الآن.
كان صوتها غريبا. مكسورا. خاليا من نبرة القوة التي اعتدتها.
ما الذي حدث هل صوفيا بخير
صمتت. ثم قالت بصوت خافت
أرجوك تعالي.
ركضت. وصلت وأنا ألهث. وجدتها واقفة عند مدخل الطوارئ وعيناها حمراوان وكأنها كانت تبكي لساعات. ما إن رأتني حتى عانقتني بقوة جعلتني أكاد أختنق.
أنا آسفة آسفة جدا همست في أذني.
قادتني إلى غرفة فحص فارغة. وضعت ظرفا بنيا أمامي.
هذه نتائجها وصلتنا قبل ساعة.
فتحت الظرف بيدين مرتجفتين.
ثلاث كلمات فقط
سرطان الدم الحاد.
انكمش العالم. صرخت. بكيت. انهرت بين ذراعيها.
وهي بكت معي. مسحت دموعي بيدها. قالت إنها ستقف إلى جانبي.
قالت
سأتكفل
كنت أظنها ملاكي الحارس.
لم أكن أعلم أنني كنت أعانق المجرمة.
عاد صوت الطبيب يقطع شرودي
سيدة مارتينيز هذا ليس كل شيء.
عرض علي سجلات حسابي البنكي. مدفوعات. تحويلات. مبالغ ضخمة دفعتها شركة التأمين.
أختك دفعت فواتير بقيمة 127 ألف دولار
كنت أتساءل لماذا
فأكمل
لأن كل جلسة علاج كيميائي كانت تحتسب وكانت هي تتلقى عمولة ضخمة على كل طلب موافقة.
لم أفهم. لم أرد أن أفهم.
فقالها بوضوح قاس
أختك سممت ابنتك بستة أشهر كاملة لتحصيل المال.
اصطدمت الكلمات بصدري كضربة عصا بيسبول.
لكن صوفيا فقدت شعرها! تقيأت! تألمت! رأيت كل ذلك!
قال الطبيب وهو يضع نظارته جانبا بتعب
نعم لأنها تلقت علاجا كيميائيا حقيقيا. التأثير الجانبي لا يميز هو يهاجم خلايا الجسم السليمة كما يهاجم الخبيثة.
لم أستطع التنفس.
شعرت كأن صدري يسحق.
تذكرت صباحا واحدا
كانت صوفيا تقف أمام المرآة تبكي تمد يدها وتسحب آخر خصلة متبقية لها.
قالت لي
أمي لماذا يحدث لي هذا
ضممتها بقوة
وقلت لها إننا سنقاتل.
كنت أواسيها بينما الحقيقة أن من دمر جسدها كان دما من دمي.
وقفت وأنا أكاد أصرخ من شدة الارتجاف
أين هي أين باتريشيا
لكن الطبيب لم يمهلني.
قال ببطء مخيف
هي لن تأتي. هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه.
وهنا بدأت الكارثة التالية.
الجزء الثاني الكارثة التي تلت الحقيقة
لم أستوعب آخر جملة قالها الطبيب. كانت الكلمات تتباطأ تخرج منه كأنها تحمل ثقل الأرض كلها. ثابتة باردة ومخيفة.
لن تأتي هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه.
تجمدت ملامحي.
لم أعد أشعر بذراعي ولا بوجهي ولا حتى بقدمي.
كان الخوف وحده هو الذي يحركني.
ماذا تقصد أين باتريشيا هل هربت
سمعت صوتي وكأنه آت من مسافة بعيدة.
أغلق الطبيب الملف ببطء ثم شبك أصابعه فوق الطاولة
أختك ليست فقط من غيرت الفحوصات بل هي من قدم تقريرا طبيا مزيفا آخر منذ أسبوع.
كاد قلبي يقف.
تقرير ماذا
ابتلع الطبيب ريقه قبل أن يجيب
تقرير يثبت أن حالتك النفسية غير مستقرة وأنك تمارسين إساءة نفسية على ابنتك.
سقط فكي في مكانه.
لم أفهم. لم أستوعب.
كيف يمكن لشخص أن يبلغ هذا الحد
كيف يمكن لأختي التي ربتني أن تهدم حياتي بهذه الصورة
قال الطبيب
تقرير كهذا لو قدم للجهات المختصة فالنتيجة ستكون سحب حضانة ابنتك منك.
بدأت أرتجف.
وضعت يدي على صدري وكأنه سينفجر.
لماذا تفعل كل هذا
لم يكن سؤالا. كان نوحا.
نظر الطبيب إلي بشيء يشبه الشفقة الممزوجة بالأسى
لأن المال الذي كانت تأخذه مقابل كل جلسة كيميائي لم يكن كافيا. كانت تريد تمديد العلاج. وإبعادك عن الطريق كان سيسمح لها بالتحكم الكامل بكل شيء.
تسمرت الكلمات في رأسي.
كانت باتريشيا تخطط لإقصائي.
تريد أن يسجلوا أنني غير صالحة كأم.
ثم تستمر هي في تقديم طلبات علاج كيميائي لابنتي التي لم تكن مريضة منذ البداية
وتقبض المال.
كدت أتقيأ من الصدمة.
قلت للطبيب بصوت مخنوق
أين هي الآن
أجاب ببطء
هربت منذ الصباح. تركت وظائفها. وسحبت جميع أموالها من البنك. الشرطة تبحث عنها.
لم أعد أسمع شيئا بعد تلك الجملة.
كانت الأصوات حولي تتلاشى.
كان العالم كله ينطفئ.
بدأت ذاكرتي تعيد إلي كل شيء بطريقة مؤلمة.
تذكرت يوما كنت أبكي فيه أمامها لأن شعر صوفيا يتساقط وهي تمسد ظهري وتقول
اصبري سأبقى معكما حتى النهاية.
الآن صرت أعرف أن النهاية التي قصدتها لم تكن نهاية المرض.
بل نهاية المخطط الذي كانت تخبئه لي.
تذكرت تلك الليالي التي كانت تزور فيها المستشفى وتجلب الهدايا لصوفيا.
كانت
كانت تمثل بدقة ممثلة محترفة.
تذكرت مرة قالت فيها وهي تنظر إلي بأسف مصطنع
لو كنت أستطيع أخذ هذا الألم منها