يوم اكتشفت أن ابنتي لم تصب بالسرطان قط
لأخذته.
والحقيقة أنها هي من وضعت الألم فيها بيديها.
سحب الأكسجين من صدري.
أجهشت بالبكاء بكاء لم أشعر به منذ دفنت أمي.
جلس الطبيب بجانبي وقال
أفهم صعوبة ما تمرين به لكن علينا أن نتحرك الآن. الشرطة بحاجة إلى شهادتك قبل أن تغادر البلاد.
رفعت عيني إليه.
كنت أرتعش بالكامل.
أريد أن أرى صوفيا أريد ابنتي.
هز رأسه
هي في الجناح الخاص بالأطفال لكنها الآن تحت مراقبة طبية بعد توقف العلاج المفاجئ. جسدها ضعيف لكنه سيتعافى إن شاء الله.
قمت من الكرسي وأنا أترنح.
استندت للحائط.
أشعر كأن الأرض تهتز.
كان الممر المؤدي إلى جناح الأطفال أطول ممر مشيت فيه في حياتي.
كأن الزمن تمدد ليتعذب معي.
كل خطوة كانت تحمل وجعا.
كل ضوء في السقف كان يذكرني بستة أشهر من الرعب الذي صدقته بلا تردد.
وصلت إلى الباب.
دفعته بيدي المرتجفتين.
هناك على السرير الأبيض تحت غطاء أزرق باهت
كانت صوفيا.
طفلتي.
ملاك منزلي.
تنام بسلام وجهها شاحب لكنه ناعم.
أنفاسها هادئة.
اقتربت منها ببطء.
جلست بجوارها.
مررت أصابعي فوق رأسها الصغير الخالي من الشعر.
بكيت بصمت.
بكيت حتى اهتز جسدي كله.
همست لها
سامحيني يا صغيرتي سامحيني لأنني لم أر الحقيقة سامحيني لأنني صدقت أختي أكثر
ثم مسحت دموعي.
وقلت لنفسي بصوت خافت
لن أسمح لها بإيذائك مرة أخرى أعدك بذلك.
مفاجأة جديدة
وبينما أنا جالسة دخل ضابط شرطة برفقة ممرضة.
قال الضابط
سيدة مارتينيز وجدنا شيئا في مكتب أختك شيء يخصك أنت وابنتك.
نظرت إليه وأنا أرتجف.
سألته
ما هو
ففتح الملف الذي كان يحمله
فتح الضابط الملف ببطء وكأنه يخشى أن تسقط منه القنابل التي يحملها.
كنت أسمع دقات قلبي أعلى من أصواتهم جميعا.
قال الضابط بنبرة رسمية لكن يحركها شيء من التعاطف
هذا الملف كان مخبأ في درج مكتب أختك وموسوما باسمك وباسم صوفيا.
مد الملف إلي فأخذته ويدي تكاد تنزلق من العرق.
فتحته
وتجمد الهواء في رئتي.
كانت الأوراق مرتبة بعناية
وثائق حضانة نسخ تقارير مزيفة نسخ من توقيعي مزورة اتفاقية مالية مع طرف مجهول ورقة ممهورة بختم رسمي كلها تشير إلى أن باتريشيا كانت تخطط لتبني صوفيا قانونيا واستبعاد وجودي بالكامل.
ولم يكن هذا أسوأ ما وجدته.
في آخر الملف
ظرف صغير بدا أقدم من بقية الأوراق.
سحبته وفتحته.
كانت فيه رسالة مكتوبة بخط يد باتريشيا
إلين
لم أعد أستطيع أن أشاهدك تدمرين حياة ابنتك كما دمرت حياتي.
أنت لم تكوني أما قادرة يوما.
أنا فقط أصلح ما أفسدته.
سأحمي
توقف العالم.
لم أفهم شيئا.
أي خراب هذا
أي عقل مريض يمكن أن ينسج مثل هذه الأكاذيب
لماذا كانت تظن أنني خطر على ابنتي
من أين جاءت بهذه الكراهية
وفجأة تذكرت شيئا.
تذكرت يوما قديما حين كنت في التاسعة وكانت أمي على فراش المرض. كانت باتريشيا تتحمل كل شيء العمل الدراسة رعايتنا. كنت طفلة لا أفهم حجم العبء. لكنها كانت تفعل. وكانت تنظر إلي أحيانا بنظرة لم أفهمها إلا الآن
نظرة امرأة تشعر أنها أم لطفل ليس طفلها.
وربما في عقلها المشوه رأت صوفيا امتدادا لذلك الدور القديم.
ورأتني عقبة.
أغلقت الرسالة ووضعتها على الطاولة.
قال الضابط
نعتقد أن أختك لم تفعل هذا بسبب المال فقط بل كانت لديها مشاكل نفسية غير مشخصة. وجدنا مراسلات كانت ترسلها لطبيب نفسي مجهول تتحدث فيها عن شعور عميق بالعجز والغيرة والخوف من فقدان السيطرة.
كانت الكلمات تلسعني.
لكنني فجأة شعرت بشيء لم أشعر به منذ بدأت الكارثة.
السكينة.
ليس لأن الجرح التأم
بل لأنني أدركت شيئا مهما
الخيانة ليست دائما من قلب يكرهك
أحيانا تأتي من قلب يظن أنه يملكك.
الخطوة الأخيرة
سألني الضابط
هل تريدين رفع دعوى جنائية كاملة
نظرت إلى صوفيا النائمة.
وضعت يدي
ثم قلت بثبات لم أكن أتوقع أن أستعيده
نعم. ولكن ليس انتقاما. بل حماية.
هز الضابط رأسه ثم خرج.
جلست بجانب سرير صوفيا طويلا.
تابعت أنفاسها.
وحين فتحت عينيها أخيرا نظرت إلي بتعب ثم قالت بصوت خافت
ماما هل انتهى كل شيء
ابتسمت رغم الألم.
قبلت جبينها.
وقلت
نعم يا صغيرتي انتهى. ولن يؤذيك أحد بعد الآن.
احتضنتها بقوة كأنني أحاول أن أعوض في لحظة كل الشهور التي سرقت منها.
ما بعد النهاية
عولجت صوفيا وتعافت ببطء.
احتاج جسدها شهورا ليتخلص من آثار العلاج الذي لم يكن يجب أن تتلقاه.
أما باتريشيا فقد ألقي القبض عليها بعد ثلاثة أسابيع على الحدود.
لم تجرؤ على النظر إلي حين رأيتها في المحكمة.
كانت عيناها خاليتين كأنها لا ترى إلا عالما صنعته وحدها.
وقفت أمامها نظرت إليها طويلا
ثم قلت لها بجملة واحدة
لقد أخذت مني الكثير لكنك لن تأخذي ابنتي.
لم تجب. لم تبك. مجرد فراغ.
مرت سنوات وصوفيا اليوم بخير. شعرها عاد لينمو كما كان.
ضحكتها عادت تنير البيت. أما أنا فقد تعلمت الدرس الأبقى
أن الحب حين يتحول إلى امتلاك يصبح أخطر من الكراهية.
وأن أقرب الناس إليك قد يكونون أحيانا أبعدهم عن الحقيقة.
لكنني أيضا تعلمت شيئا آخر شيئا أنقذ حياتي
أن
ولو انكسر قلبها ألف مرة. ستقف. وتقاتل. وتحمي. وتنهض من جديد. وهكذا فعلت. وهكذا سأفعل دائما من أجل صوفيا.