شابة تفوّت مقابلة عمل لإنقاذ حياة رجل — وبعد ساعات تكتشف من يكون حقًا

لمحة نيوز

شابة تفوت مقابلة عمل لإنقاذ حياة رجل وبعد ساعات تكتشف من يكون حقا
كانت شوارع مركز بوسطن في ذلك الصباح تتوهج بنبض حضري لا يهدأ
إيقاع من الحركة السريعة يشق الطريق بين المباني الزجاجية الشاهقة التي تعكس شمس الاثنين بوميض بارد.
خطوات الموظفين المتعجلين كانت تحدث طرقات حادة فوق الأرصفة فيما تتعالى أبواق السيارات كأنها جزء من موسيقى الصباح اليومية. وفي وسط ذلك الضجيج الذي يبدو كآلة ضخمة تتحرك بلا توقف كانت إيما بليك تنفذ بخطوات صغيرة ثابتة تمسك ملفها الجلدي البالي كأنه آخر ما تبقى لها من يقين.
ذلك الملف لم يكن مجرد أوراق بل كان أثقال سنوات طويلة من العمل الشاق وأحلام مؤجلة ومحاولات كثيرة للهروب من الدوام الليلي في المطاعم الرخيصة. طوال أسابيع حضرت لكل سؤال محتمل راجعت كل سطر في سيرتها الذاتية رتبت نماذج أعمالها عشرات المرات وكل ذلك من أجل لحظة واحدة مقابلة في شركة أول باب حقيقي يمكن أن تدخل منه إلى العالم الذي حلمت به.
رفعت إيما عينيها إلى الساعة المعلقة في الواجهة الزجاجية لمبنى قريب.
945 صباحا.
تبقى لها خمس عشرة دقيقة فقط.
أسرعت بخطواتها لكن فجأة تجمدت. كان هناك تجمع غير مألوف على الرصيف المقابل. همسات وجوه فزعة حركة مشوشة. اقتربت بتردد وما إن وصلت إلى الحلقة

البشرية حتى شهقت كأن الهواء انقطع عن صدرها.
كان رجل ممددا على الأرض وجهه شاحب كأنه ورقة تسحب منها الحياة تدريجيا وصدره ساكن لا يتحرك. بدا في منتصف الخمسينات يرتدي بدلة أنيقة توحي بمكانته ومكانه في عالم المال لكن ذلك كله لم يعد يعني شيئا فالموت كان يمد ظله على ملامحه.
سقط ملفها من يدها دون وعي. شقت طريقها بين الواقفين حتى وصلت إلى جانبه. انحنت فوقه وهمست بصوت ارتعش من الخوف
سيدي هل تسمعني
ولا حركة.
ولا نبض.
عادت إلى ذاكرتها تلك الدورة الوحيدة التي أخذتها في الإسعافات الأولية منذ عامينكانت تظن يوما أنها تدريب لن تحتاجه. لكن اللحظة الآن كانت تصرخ بها أن تتصرف.
صرخت بصوت قوي لم تعرف أنها تملكه
اتصلوا بالإسعاف فورا!
ثم وضعت كفيها فوق صدره وبدأت الضغطات.
متتاليات ثابتة ويد تحارب من أجل حياة رجل غريب.
اختفى العالم حولها. لم تعد تسمع المارة ولا السيارات ولا ضجيج الشارع صار كل شيء يتقلص إلى صوت واحد ينبعث من عقلها
واحد اثنان ثلاثة
كانت ذراعاها ترتجفان والعرق يتصبب من جبينها فيما لون الرجل يزداد زرقة كأن الوقت يسابقها بنية شرسة.
الناس وقفوا حولها صامتين بعضهم يصور وبعضهم يهمس دون أن يمتد يد واحدة بالمساعدة. أما إيما فلم تفكر في شيء سوى أن تبقي ذلك القلب خامدا من
السقوط في الهاوية.
ثم شقت صفارات الإسعاف الضجيج وتوقفت السيارة قريبا. هرع المسعفون إليها وأبعدها أحدهم بلطف وهو يقول بنبرة لاهثة
لقد تكونين أنقذت حياته بالفعل.
تراجعت خطوة صدرها يرتفع وينخفض بحدة وعيناها تلمعان بخليط من الخوف والدهشة والارتباك. انحنت لالتقاط ملفها فتبعثرت الأوراق على الرصيف كأنها تشارك فوضى اللحظة. التقطت هاتفها بسرعة وحين نظرت إلى الشاشة تجمدت.
1007.
مر موعد المقابلة.
انتهى كل شيء.
وقفت بلا حراك تشاهد سيارة الإسعاف وهي تغلق أبوابها وتنطلق تاركة خلفها صدى صفارتها ومشهدا لم تتخيل يوما أن تعيشه. عاد الناس إلى حياتهم إلى هواتفهم إلى جداولهم المعتادة. وحدها إيما بقيت واقفة وسط شارع صاخب تشعر بأنها فقدت شيئا أكبر من موعد.
همست لنفسها بصوت مكسور
ما الذي فعلته
لكنها لم تكن تعرفولم يخطر ببالها للحظةأن ذلك الرجل الذي همدت أنفاسه بين يديها سيعيد تشكيل مسار حياتها بالكامل بعد ساعات قليلة فقط.
عندما وصلت إيما إلى شقتها المتواضعة في الطابق الثالث من مبنى قديم كانت ساقاها بالكاد تحملانها. ألقت حقيبتها على الأرض وانهارت فوق الأريكة تحدق في السقف كأن الفراغ يسحبها إلى داخله.
اهتز الهاتف بإشعار.
البريد الوارد قسم الموارد البشرية.
فتحت الرسالة بأصابع مرتعشة.

يؤسفنا إبلاغك
لم تكمل القراءة.
ألقت الهاتف جانبا وشعرت بغصة حارقة تعلو حلقها. لقد فعلت ما اعتقدت أنه الصواب لكن الثمن كان قاسيا. ضاعت فرصتها الوحيدة أو هكذا ظنت.
نامت دون أن تشعر حتى قطع رنين الهاتف الحاد صمت الشقة. رقم مجهول.
ترددت. ثم أجابت.
الآنسة بليك
كان الصوت رجوليا دافئا عميقا.
أنا ديفيد روس. أظن أنك أنقذت حياتي هذا الصباح.
جلست إيما فجأة كأن صاعقا ضربها.
أنت أنت الرجل الذي
نعم.
جاءت إجابة خفيفة تتخللها ضحكة هادئة.
أشعر ببعض الألم من ضغطاتك لكنها كانت مؤلمة بما يكفي لتعيدني إلى الحياة. أرغب في لقائك إذا سمحت. سأرسل سيارة.
قبل أن تسأل أنهى المكالمة بلطف.
وبعد ساعة فقط كانت سيارة سوداء فاخرة تقف أمام باب البناية استعدادا لنقلها إلى لقاء لم يخطر ببالها ولا حتى في أحلامها الأكثر جرأة.
كانت السيارة السوداء تنساب في شوارع بوسطن بهدوء فخم مقاعدها الوثيرة ورائحتها النظيفة تشعر إيما أنها انتقلت فجأة من عالم إلى آخر. حدقت من نافذتها تتأمل المدينة التي بدت مختلفة الآن وكأن ما فعلته صباحا فتح بابا غير مرئي يقودها إلى أفق جديد.
توقفت السيارة أمام مطعم راق مطل على النهر جدرانه الزجاجية تعكس المياه المتلألئة في الظهيرة. دخلت بخطوات مضطربة وعندما استقرت عيناها
عليه عرفته فورا.
كان يجلس على طاولة قرب الواجهة
تم نسخ الرابط