شابة تفوّت مقابلة عمل لإنقاذ حياة رجل — وبعد ساعات تكتشف من يكون حقًا
الزجاجية يرتدي بدلة رمادية أنيقة وشعره الفضي مصفف بعناية غير أن شيئا في ملامحه كان أكثر هدوءا مما رأته على الرصيف كأنه استعاد نصف العالم المفقود.
نهض عندما رآها وتقدم نحوها مبتسما ابتسامة امتنان صادقة وصافح يدها بحرارة لم تتوقعها.
قال بصوت عميق يحمل أثرا من الضعف الذي عاشه
أنا مدين لك بكل شيء. لم تنقذيني من أزمة قلبية فحسب.
رمشت إيما متسائلة
ماذا تقصد
تأمل وجهها لحظة ثم أجاب
أنا ديفيد روس مؤسس ومدير شركة Ross Lane.
تجمد الهواء حولها.
Ross Lane
لم تكن مجرد شركة بل عملاق تسويقي يهيمن على سوق المدينة الشركة التي كانت تتمنى أن تخطو على بابها ولو لمجرد مقابلة.
والآن كان صاحبها يجلس أمامها.
تابع ديفيد بصوت هادئ
كنت متجها إلى اجتماع حاسم يرتبط بمستقبل الشركة. لقد كان ضغط الأسابيع الماضية خانقا لم أستمع لجسدي حتى انهرت ولولا تدخلك في اللحظة المناسبة لم أكن لأجلس هنا الآن.
تنفست إيما بعمق محاولة استيعاب وزن المفارقة الثقيلة التي تجمع بين ما خسرته وما تقف أمامه الآن.
اقترب ديفيد قليلا وأردف بلهجة تحمل يقينا
أبحث منذ أشهر عن أفراد لفريق خاص بمشروع جديد. أريد أشخاصا لا يملكون فقط المهارات بل يملكون شيئا نادرا شجاعة اتخاذ القرار الصحيح حين ينهار العالم حولهم.
ثم نظر إليها نظرة مباشرة ثابتة وقال
أريدك ضمن هذا الفريق. دون مقابلة. دون اختبارات. فقط إذا أردت.
كان العرض أكبر من أن يستوعب.
شعرت بالحيرة تشتعل داخلها وقالت متلعثمة
لم أفعل ذلك من أجل أي مقابل.
رد بابتسامة مطمئنة
وأنا لا أعطيك مقابلا بل أختارك لأنك تستحقين.
وضع أمامها بطاقة أنيقة منقوشة برقم هاتفه الخاص وشعار الشركة الذهبي المتلألئ.
لم تقل شيئا. لم تستطع. كل ما كان يدور في ذهنها هو الفرق الشاسع بين اللحظة التي وقفت فيها على الرصيف تبكي موعدا ضائعا وهذه اللحظة التي تفتح فيها أمامها بوابة لم تتصورها.
في صباح اليوم التالي استيقظت إيما قبل الفجر بلحظات.
النوم لم يزرها سوى قليلا فالحماس كان يقرع قلبها كطبول حرب.
وقفت أمام مرآتها الصغيرة ترتب شعرها بتأن وكأنها تعيد تشكيل نفسها من جديد.
ارتدت قميصها الأبيض وجاكيتها الرمادي البسيط الذي احتفظت
وقد جاء.
خرجت من شقتها تستقبلها نسمات الصباح الباردة بلطف كأن الهواء ذاته يبارك خطواتها.
ركبت الحافلة ولأول مرة لم تشعر بأن المقاعد تضيق عليها أو بأن الوقت يطاردها.
كانت تعرف أنها ذاهبة إلى بداية حقيقية ليست مجرد وظيفة.
عندما وقفت أمام مبنى روز لاين الشاهق بدت الواجهة الزجاجية وكأنها تعكس السماء كلها في لون نقي وكأن الشركة ترتفع نحو مستقبل لا نهاية له.
رفعت رأسها ببطء تشعر بأن هذه الواجهة هي انعكاس لحياتها الجديدة صافية واسعة وواعدة باحتمالات لا تعد.
دخلت عبر الأبواب الواسعة وفي ردهة الاستقبال الفسيحة رأت ديفيد ينتظرها.
كان واقفا ممسكا بكوب قهوة لكن عندما رآها ارتسمت على وجهه ابتسامة ترحيب صادقةابتسامة رجل متأكد تماما أنه وضع ثقته في الشخص المناسب.
قال بنبرة دافئة
مرحبا بك في الفريق يا إيما.
لم تستطع منع نفسها من أن تبتسم.
هذه الجملة لم تكن مجرد ترحيب
كانت إعلانا رسميا ببداية حياتها من جديد.
رافقها ديفيد عبر الردهة متجاوزين مكاتب زجاجية تومض شاشاتها بالأفكار والخطط والمشاريع.
لكن الغريب أنها لم تشعر بالضياع.
بل شعرت أنها تنتمي إلى هنا منذ زمن وكأن الأبواب كانت تنتظرها لتفتح في اللحظة المناسبة.
تعرفت على فريقها الجديد تبادلت معهم التحية وتنفست رائحة البداياترائحة لا تشبه شيئا إلا الشعور بأنك أخيرا في مكانك الصحيح.
وفي أحد الأيام وبينما كانت تسير عائدة من العمل مرت بالرصيف الذي بدأ كل شيء عنده.
توقفت.
نظرت إلى الأرض.
الشمس كانت تغمر المكان بضوء دافئ والناس يعبرون غير مدركين لما حدث هنا قبل وقت قصير.
لكن إيما شعرت أن الرصيف لا يزال يحمل أثر أنفاسها اللاهثة ووقع يديها وهي تضغط على صدر ذلك الرجل الغريب.
كانت تظن ذلك اليوم أسوأ يوم في حياتها.
ظنت أنها فقدت كل شيء.
لكن الحقيقة كانت شيئا آخر تماما.
همست لنفسها بابتسامة خفيفة
ربما كان تأخري هو أجمل ما حدث لي.
ثم تابعت السير بخطوات امرأة لم تعد تخاف من الطرق غير المتوقعة
امرأة تعرف الآن أن الحياة تخبئ أعظم الهدايا في اللحظات
امرأة
بدأت لتوها كتابة فصلها الجديد.