لحظة ولادتي تحوّلت إلى كابوس… ابنتي خبّأتني تحت السرير قبل أن يدخل الشخص الذي هربتُ منه سنوات!
اللحظة الأولى لم أرد أن يراني وهو يركض خلفي.
قبلت جبينها
أنت أنقذتنا يا حبيبتي كنت شجاعة حين لم أستطع أنا.
هزت رأسها بلا اقتناع لكن جسدها ظل مشدودا كوتر مشدود. ومع ذلك غفت بعد قليل.
أما أنا لم أغمض عيني. كان الليل ثقيلا كأنه
امتحان طويل للحذر.
مع أول ضوء دخلت الممرضات بخطوات هادئة كما لو أن الخوف أصبح كائنا يمكن إيقاظه. فتحت ريبيكا عينيها ببطء بينما بدأ إيثان بأنين خافت من سريره.
عاد مارك عند الشروق. وجهه جاد لكنه يحمل تلك اللغة الخفية التي تقول إنه هنا لحمايتي.
قال
وجدنا سيارة دانيال قرب المستشفى ليلا. غادر بدقائق قبل وصول الدورية. نتابع تحركاته الآن.
سألته وأنا أشعر أن الأرض تميد تحت قدمي
هل يمكن أن يعود
أجاب بصراحة لا تعرف المواربة
هذا محتمل. لذلك ستعودين للمنزل تحت حماية رسمية وسنركب إجراءات أمنية مؤقتة حتى نلقي القبض عليه.
كان في عيني ريبيكا ارتجاف لا يليق بطفلة.
يوم واحد جعلها تكبر سنوات.
بدأت إجراءات الخروج أوراق توقيعات تعليمات. حملت إيثان بين ذراعي أصابعه الصغيرة قبضت على إصبعي كأنها تستجدي الأمان من يدي. كان الفارق بين هشاشته والخطر المحيط بنا يمزقني.
حين وصلت الكرسي المتحرك أصرت ريبيكا أن تسير بجانبي تلتفت خلفها كل بضع خطوات ترصد الممر الأبواب النوافذ كأنها تتوقع أن يظهر دانيال
عند السيارة كان ضابطان ينتظران. حملا الحقيبة والهدايا وأغلقا الباب. رأيت كتفي ريبيكا ترتخيان قليلاكأن وجود الرجال حولنا أعاد إليها أنفاسها.
كان الطريق إلى المنزل صامتا. المباني تمر كأنها رسومات بلا روح.
وعندما توقفت السيارة أمام البيت اجتاحني شعور مرير
هذا المكان يفترض أن يكون حضنا لكنه الآن يحمل ظل رجل اقتحمه يوما.
دخل معنا الضابط فحص الأبواب والنوافذ والبوابة الخلفية. كانت ريبيكا تتبعه بنظرات متيقظة كأنها محققة صغيرة.
كان يجب أن تكون الساعة الأولى في المنزل هادئة
لكنها لم تكن كذلك.
على طاولة المطبخ حيث أضع حقيبتي دائما كانت هناك ورقة مطوية.
عليها خط أعرفه جيدا.
خط دانيال.
امتدت يدي نحوها لكن الضابط أوقفني بسرعة
دعيني أنا أفتحها.
فتحها ببطء. ومع كل كلمة كان
يتغير وجهه يشد فكه كمن يكبح غضبا.
سألته بصوت مبحوح
ماذا كتب
رفع عينيه إلي ثم قرأ
يمكنك أن تختبئي عني في المستشفيات خلف الشرطة وتحت الأسرة.
لكن عاجلا أم آجلا ستخرجين وحدك.
وحينها سنكمل ما بدأناه.
انفجرت ريبيكا ببكاء مكتوم.
أما أنا فتجمد دمي في عروقي.
سألت الضابط
هل دخل المنزل
فحص الأبواب من جديد
لا آثار اقتحام. ربما احتفظ بنسخة من المفتاح القديم.
وضعت يدي على فمي أشعر بالجدران تضيق علي.
اتصل الضابط فورا بالدعم. خلال دقائق وصلت
أخيرا قال أحدهم
المنزل خال. لكن سنبقى بالخارج طوال الليل.
جلست على الأريكة وإيثان ينام بين ذراعي. التصقت ريبيكا بكتفي وهمست
ماما هل سيعود
ضغطت على أصابعها
لن أسمح له ولن يسمحوا هم.
لكن قلبي كان يقول شيئا آخر
خوف ثقيل كحجر يستقر في الصدر.
عاد مارك بعد تقرير الملاحظة. التقط صورا للورقة رفع البصمات وبدأ يسأل
متى خرجت آخر مرة
هل تغير شيء في المنزل
من يملك المفاتيح القديمة
ثم قال بقلق واضح
ما يخيفني هو دقة تخطيطه لم يعد متهورا. إنه يتأنى.
سألته
وهل هذا أسوأ
أجاب بضمير خبير
الصبورون هم الأكثر خطورة.
بقيت كلماته تطن في رأسي كجرس إنذار لا يتوقف.
حين حل المساء ظلت الدورية أمام المنزل أضواؤها تحرس صمت الشارع. حملت إيثان إلى سريره وجلسنا أنا وريبيكا في غرفتي.
قالت بصوت خافت
ماما سنكون بخير أليس كذلك
نظرت إليها وقلت بثبات صنعته بأصابعي المرتجفة
سنكون بخير لأننا لن نهرب بعد الآن.
لكن قبل أن يكتمل الاطمئنان في صدرها
انطفأت الأنوار.
مرة
ثم مرتين
وغرق المنزل في ظلام كثيف.
لم يدم انقطاع التيار إلا لحظة لكن تلك اللحظة كانت كافية لإعادة كل الخوف إلى دمي. هرعت إلى الردهة ويد ريبيكا ترتعش بين أصابعي.
قلت
لا تتركي يدي.
في الخارج كان الضباط قد لاحظوا انقطاع التيار فورا. انطلقت مصابيحهم تخترق الظلام تتنقل بين الفناء والسياج والرصيف تفتش كل ظل وكل زاوية. اقترب أحدهم من الباب وطرقه بقلق واضح
هل أنتم بخير الحي كله فقد الكهرباء نحن نتحقق من المنطقة.
تنفست بعمق ببطء وكأن صدري يحاول إقناع قلبي بأن ما حدث عابر
أن الأمر لا يخصنا تحديدا.
أو هكذا أردت أن أصدق.
عدنا إلى غرفة المعيشة بينما الضباط يمشطون الخارج بحذر بالغ. أصواتهم كانت تتسرب إلينا عبر زجاج النوافذ كهمسات مقطوعة أوامر قصيرة خطوات ثابتة احتكاك أحذيتهم بالأرض المبتلة.
لكن رغم كل هذا لم يتسلل إلي أي شعور حقيقي بالأمان.
كانت ريبيكا ملتصقة بي التصاقا يكاد يذيب عظامي. أذرعها الصغيرة تحيط بخصري كأنها تخشى أن ينتزعنا شيء من بعضنا. تنفسها كان سريعا متقطعا وكأن الهواء يهرب منها.
أما إيثان فكان نائما في سريره يضم قبضته الصغيرة إلى صدره بسلام لا ينتمي لهذا العالم.
العالم نفسه الذي كان يحمل رجلا قادرا على اقتحام المستشفى وتتبع خطواتنا وترك تهديدا يتنفس بين الجدران.
قبل أن أستعيد أنفاسي انفتح باب غرفة المعيشة ببطء
ودخل ماركبلا طرق بلا إعلانوكأن حدسه سبقه بخطوة.
وقف في الإطار والضوء الآتي من الممر يصنع هالة باهتة حول كتفيه العريضتين. قال بصوته الهادئ المعتاد
ظننت أنكم قد تحتاجون إلى دعم إضافي الليلة هل يمكنني البقاء