الورقة التي كتبها قبل 20 سنة… كانت السبب في نجاته اليوم
الحاضر مليئا بالخوف والوحدة
قال محاولا مواساتها
هو لا يظن أنك لا تحبينه.
هزت رأسها بالنفي
بل يظن ذلك هذا الصباح سألني إن كنت لم أعد أحبه
سألني إن كان قد فعل شيئا خاطئا لأبتعد عنه هكذا.
انهارت إيليانا.
خرج البكاء الذي كانت تحبسه منذ الصباح دفعة واحدة.
غطت وجهها بكفيها وكتفاها تهتزان محاولة كتم شهقاتها دون جدوى.
ظل ميغيل في مكانه لا يعرف كيف يتصرف.
لم يكن بارعا في المواساة.
لكنه شعر بأن بكاء أم تقتلها عقدة الذنب قد اخترق شيئا عميقا فيه.
انتظر حتى هدأت قليلا ثم قال
إيليانا أنت تفعلين هذا من أجله. أنت تعرفين ذلك.
همست
لكن هل يستحق الأمر حقا
هل يستحق أن يكبر خائفا وحيدا لمجرد أن يكون عندي شهادة معلقة على الحائط
قالت ثم تابعت
ليست المسألة مجرد شهادة إنها حياة أفضل فرص أفضل مستقبل أفضل
لكن في المقابل هو يتألم الآن.
ساد صمت قصير بينهما ثقيل كالاعتراف.
قال فجأة
ولم تربينه وحدك
خرج السؤال أكثر مباشرة مما أراد لكنه خرج وانتهى الأمر.
مسحت دموعها بظهر يدها وقالت
والده رحل عندما علم أنني حامل.
قال إنه غير مستعد للأبوة وأن لديه خططا أخرى للحياة.
ترك رسالة يعد فيها بأنه سيرسل مالا حين يستطيع ولم يرسل شيئا أبدا. اختفى تماما.
ألم تحاولي اللجوء للقضاء
حاولت لكنه اختفى من كل مكان. غير المدينة غير عمله لا أثر له.
قال لي المحامي إن الأمر قد يستغرق سنوات للعثور عليه وحتى لو وجدناه فليس هناك ضمانة أن نحصل على شيء. فتركت الأمر.
هز ميغيل رأسه.
كان يعرف هذا النوع من القصص جيدا
رجال يهربون من مسؤولياتهم
يتركون نساء يقاتلن حياتهن وحدهن ضد كل شيء.
سألها
وعائلتك ألا يساعدونك
ضحكت ضحكة مرة
عائلتي تبرأت مني.
قالوا إنني دمرت حياتي وإنهم لا يريدون رؤيتي.
حاولت العودة أكثر من
قال بحزن
إذا أنت تماما وحدك.
تماما أنا ورافائيل ضد العالم.
عاد الصمت يخيم.
نظر ميغيل إلى تلك المرأة الجالسة أمامه فرأى أكثر من عاملة نظافة تدرس خفية
رأى مقاتلة تخوض معركة ضد نظام كامل مصمم كي لا ترتقي.
سأل فجأة
كم تتقاضين في الشهر
فوجئت بالسؤال.
سيد أجري هنا أجر وشوية لقد كنت كريما جدا معي.
قال
وهل يبقى شيء في نهاية الشهر
خفضت رأسها
لا يا سيد الإيجار يأخذ تقريبا النصف ثم الطعام والمواصلات ولوازم مدرسة رافائيل والدواء إذا مرض
في النهاية لا يبقى شيء بل ينقص دائما.
والدروس التحضيرية للامتحان كيف تدفعينها
لا أدفع أدرس وحدي. أشتري ملخصات مستعملة وأنزل دروسا مجانية من الإنترنت وأستعير كتبا من المكتبة العامة أفعل ما أستطيع.
جلس ميغيل يفكر
هذه المرأة تعمل اثنتي عشرة ساعة في اليوم ثم تعود لتعتني بابنها ثم تأتي لتدرس على ضوء شمعة وتنام أقل من أربع ساعات
ومع ذلك لا توفر شيئا لأن كل ما تكسبه يذهب إلى أساسيات الحياة.
قال بهدوء
إيليانا هل أستطيع أن أطرح عليك سؤالا شخصيا
بالطبع يا سيد.
لماذا لم تستسلمي حتى الآن
بقي السؤال معلقا.
نظرت إليه بمزيج من الدهشة والحزن.
لأنني إن استسلمت فماذا سأعلم رافائيل
أننا حين تصير الحياة صعبة نرفع الراية البيضاء
أن الأحلام حكر على من يملكون المال وأن الفقراء عليهم أن يرضوا بما قسم لهم
نهضت ومشت نحو النافذة تتكلم وظهرها إليه
ابني يراني أخرج كل يوم للعمل ويراني أعود مرهقة ويراني أدرس في منتصف الليل عندما يستيقظ ليشرب الماء.
وتعلم ماذا قال لي الأسبوع الماضي
انتظر في صمت.
قالت
قال لي ماما عندما أكبر سأدرس مثلك.
سأعمل كثيرا كي لا تضطري للعمل بعد اليوم.
سأعتني بك كما تعتنين بي.
تكسر صوتها في آخر جملة.
استدارت نحوه وعيناها مغرورقتان بالدموع.
طفل في السادسة يفكر في أن يعتني بأمه
أتدري ماذا يعني ذلك
هذا يعني أنه يرى يفهم.
ساد صمت طويل كأن البيت كله يحبس أنفاسه منتظر ما سيقوله ميغيل.
جلس ببطء أسند مرفقيه على الطاولة ونظر إليها نظرة لم تعهدها منه من قبل نظرة رجل يرى الحقيقة بلا ضوضاء ولا أعذار.
قال بصوت منخفض لكنه ثابت
إيليانا لو استمر الوضع كما هو ستحصلين على الشهادة نعم.
لكن ابنك سيخسر أشياء لا يمكن لأي شهادة أن تعوضها.
أغمضت عينيها كأن الكلمات صفعتها رغم صدقها.
همست
أعلم لكن ما البديل
نهض ميغيل فجأة فتح أحد الأدراج في المطبخ أخرج منه مفتاحا صغيرا وضعه أمامها على الطاولة.
حدقت فيه مرتبكة.
قال
هذا مفتاح غرفة المعيشة الجانبية. الغرفة التي لا يستخدمها أحد.
من اليوم ستصبح غرفتكم.
رفعت رأسها بسرعة
ماذا لا لا يا سيد ميغيل هذا مستحيل لا يمكنني
قاطعها بحزم ناعم
اسمعيني.
لن تتركي رافائيل بمفرده بعد اليوم. تحضرينه معك.
سأركب قفلا للباب وتليفزيون صغير وسجادة دافئة وألعاب وكتب.
يجلس يلعب أو ينام وأنت تدرسين في المكتبة.
تجمدت ملامحها. كأن دماغها يحاول استيعاب ما سمعته.
تابع
لست مطالبة بأن تقاتلي وحدك.
أحيانا يحتاج المقاتل سقفا يحميه وهو بيحارب مش أكتر.
كانت الدموع تنزل من عينيها ببطء بلا صوت.
ولأول مرة منذ بدأت العمل في البيت لم تحاول أن تخفيها.
قالت بصوت مختنق
لماذا لماذا تفعل هذا
ابتسم ابتسامة صغيرة لكنها مختلفة هذه المرة ابتسامة رجل يرى نفسه في مرآة أخرى.
لأنك ذكرتني بما كنت عليه وما نسيته.
ولأن هناك أشياء لا يجب أن نقف متفرجين أمامها.
أخفضت رأسها ثم همست
شكرا لا أعرف ماذا أقول.
قال
قولي فقط إنك ستنجحين. وهذا يكفيني.
بعد ثلاثة أسابيع
تحولت غرفة المعيشة
رسومات معلقة على الحائط.
وسادة كبيرة على الأرض.
كتب تلوين.
ومصباح صغير يضيء بنعومة ليطرد خوف الليل.
إيليانا تدرس على مكتب المكتبة ورائيل ينام على الأريكة في أمان لأول مرة منذ شهور.
وميجيل للمرة الأولى منذ زمن طويل صار يعود إلى البيت ولا يشعر بالفراغ.
كان يمر كل ليلة يتفقد الطفل النائم يطفئ التلفاز ثم يذهب لغرفته محملا بشيء لم يعرفه منذ زمن شيء يشبه الراحة.
كانت النتائج ستعلن في العاشرة صباحا.
وقفت إيليانا أمام شاشة هاتفها يدها ترتجف.
ورافائيل يتشبث بتنورتها قائلا بحماس طفولي
ماما هتنجحي صح
وقبل أن تجيب ظهر اسمها على الشاشة.
مقبولة بتقدير ممتاز
صرخت دون أن تشعر.
احتضنت ابنها بقوة ودموع الفرح تنهمر بلا توقف.
وفي اللحظة نفسها دخل ميغيل إلى القاعة.
وقف يراقبها وهي تحتضن ابنها وابتسامة واسعة حقيقية ترسم وجهها.
رفعت رأسها نحوه.
نظر إليها وقال ببساطة وبفخر صادق
قلت لي يوما إنك تريدين أن يشعر ابنك بالفخر
حسنا اليوم أنا أيضا أشعر بالفخر.
ضحكت مسحت دموعها وحملت رافائيل الذي راح يلوح بيده
سيد ميغيل! ماما نجحت!
اقترب ميغيل انحنى قليلا وقال
وأنا وعدتك بحاجة فاكرها
رفع رافائيل حاجبيه بدهشة
إيه هي
ابتسم ميغيل وربت على شعره
أن ماما مش مجرد عاملة نظافة.
من النهاردة هي المحامية إيليانا غارسيا.
غمرت الدهشة وجه الطفل بينما انفجرت إيليانا في بكاء جديد هذه المرة بكاء انتصار.
وقفت إيليانا عند باب القصر يومها تحمل حقيبتها القديمة لكنها لم تعد تشعر أنها نفس المرأة التي دخلت المكان أول مرة.
فرقت الريح خصلات من شعرها فرفعت رأسها نحو السماء كأنها تعلن بداية حياة جديدة.
حياة لم تعط لها بل صنعتها بدموعها وعرقها وإصرارها.
وميرغيل في الداخل
ورغم أنه لم يقل شيئا بصوت مرتفع فإن قلبه همس
أحيانا الإنقاذ لا يكون بمال أو قوة بل بأن تؤمن بشخص كان العالم كله ضده.
وكان هذا بداية حكاية جديدة.