رميت أمي في كرسي متحرك على الشارع في منتصف العاصفة بسبب زوجتي
رميت أمي في كرسي متحرك على الشارع في منتصف العاصفة بسبب زوجتي... ما حدث بعد أن دمر حياتي...
تلك الليلة أمطرت وكأن السماء أرادت أن تغرق كل أخطائي.
كنت في غرفة المعيشة، أشاهد أمي على كرسيها المتحرك بجوار النافذة. كان عمرها 72 عامًا
أمّي كانت تجلس قرب النافذة، على كرسيّها المتحرّك، تنظر إلى الظلام الممتدّ بلا نهاية. عيناها كانتا تلمعان بضوء البرق، وكأنهما تخبّئان خوفًا لم تعد تقدر على التعبير عنه.
منذ إصابتها بالجلطة قبل عام، أصبحت كلماتها قليلة، متقطعة، لكنها تسمع وتفهم كل شيء. كانت تعيش معنا لأنني وعدتها ألا أتركها وحيدة. وعدٌ خرقته الليلة التي كسرت فيها كل شيء.
دخلت زوجتي لارا إلى الغرفة، خطواتها ثابتة كأنّ الأرض قد صُنعت تحت قدميها وحدها. حملت ملفًا أحمر في يدها، وبمجرد أن وضعته على الطاولة، تغيّر الهواء في الغرفة. شعرت أنّ شيئًا ثقيلًا سيُقال.
قالت دون مقدّمات:
"إمّا أنا… أو أمك."
رفعت رأسي إليها، متوقعًا أنها تمزح أو تبالغ في غضب عابر، لكن ملامحها كانت صلبة، جامدة، لا يلين فيها شيء. فتحت الملف بيدي المرتجفتين، فظهرت أوراق
أضافت بصوتٍ أكثر برودًا من المطر خلف النافذة:
"الغد… إن كانت هنا، فأنا راحلة. ومعي الأطفال."
التفتُّ إلى أمي. كانت تحدّق في لارا وكأنها تفهم كل كلمة. حاولت أن تنطق شيئًا، لكن صوتها خرج كتنفّس مقطوع. تحركت يدها المرتجفة فوق مسند الكرسي، كأنها تبحث عنّي، تطلب نجدة أعرف أنها تستحقها… لكنّي كنت ضعيفًا.
جثوت أمام لارا أحاول أن أشرح، أن أهدّئ، أن أقول لها إن الأمر مسألة أسابيع قليلة، حتى نجد لأمي مكانًا مناسبًا في دارٍ محترم. لكنها لم تسمع شيئًا.
قالت:
"لن أعيش معها يومًا آخر. اختَر."
كان الاختيار في تلك اللحظة كأنه سكين وُضعت على روحي، لا على عنقي فقط. كنت خائفًا من فقدان بيتي وأطفالي؛ خوفٌ غلب الإنسانية في داخلي، أو ربما كشف أنّ إنسانيتي لم تكن صلبة بقدر ما ظننت.
حين وضعت يدي على مقبض الكرسي، رأيتها تتشبّث بيدها الوحيدة بالمسند. عيناها توسّعتا كأنها ترفض، كأنها تترجّى، لكنّي تجاهلت صرخة العجز المنكسرة في نظرتها. ومع كل خطوة أدفع فيها الكرسي نحو الباب، شعرت وكأنني
فتحت الباب.
هبّت الريح محمّلة بالمطر، وضربت وجهي كصفعة مستحقّة.
همست لها:
"سامحيني يا أمي…"
لكنّ الهمس لم يكن كافيًا ليغطي صوت
تركتها تحت سقف الشرفة، على الرصيف البارد، والمطر يتساقط حولها كحبالٍ من جليد. كانت تراقبني بعينيها الواسعتين، نظرة لم أنسها ولم أستحقّها.
أغلقت الباب.
جلستُ على الأرض، أتنفس بصعوبة، أشعر أنّ شيئًا يتحطّم في صدري، لكنه لم يكن كافيًا لأتحرّك.
لارا صعدت إلى الطابق العلوي دون كلمة، كأنها أنهت مهمّة ما.
مرّت ساعة… ثمّ أخرى.
كان البيت صامتًا كالقبر، والوقت يتحرك كالسكين.
لم أعد قادرًا على الاحتمال.
قفزت من مكاني وفتحت الباب لأعيدها.
الكرسي كان فارغًا.
الفراغ ضربني كصدمة كهربائية.
المطر غطّى الأرض، والريح محَت كل أثر تقريبًا، لكن قطعة صغيرة من غطاء كتفيها كانت ملقاة على الأرض، ملتصقة بالماء كجرح مفتوح.
ركضت في الشارع أصرخ باسمها، لكن صوتي تلاشى في هدير المطر.
اتصلت بالشرطة، وجاء الضباط سريعًا بسبب سوء الطقس.
بدأوا يسألونني أسئلة كثيرة، نظرات بعضهم كانت قاسية، كأنّهم
وفي تلك اللحظة، خرج جارنا العجوز من منزله وهو يلوّح لي.
قال:
"كاميرا بيتي تطلّ على الشارع… ربما التقطت شيئًا."
دخلنا منزله، وجلسنا أمام شاشة صغيرة.
ضغط على زر التشغيل، ورأيت نفسي…
لحظة تركي لها تحت المطر…
لحظة أغلقتُ الباب على ضعفي.
قلبي كان يحترق وأنا أشاهد المشهد من الخارج.
لكنّ ما ظهر بعد ذلك كان بداية الكارثة.
بعد دقائق من اختفائي خلف الباب، توقّفت سيارة بيضاء قديمة قرب الرصيف.
خرج منها رجل في أواخر الخمسينات، يحمل مظلة سوداء ثقيلة.
اقترب من أمي ببطء، انحنى أمامها، وقال شيئًا لم نسمعه.
والأغرب…
والأقسى…
والأجمل في آنٍ واحد…
أن أمي ابتسمت.
رفعت يدها إليه…
لم تقاوم…
لم تخَف…
لم تُظهر ذعرًا من غريب في ليلة عاصفة.
لـم تبتسم لي عندما تركتها…
لكنها ابتسمت له، وكأنّها تعرفه، أو على الأقل… تثق به.
الرجل حملها بحنان غريب، وضعها في سيارته، وأغلق الباب بلطف.
ثمّ انطلقت السيارة ببطء في وسط المطر.
قال أحد الضباط:
"هذا لا يبدو خطفًا."
بينما قال جارنا:
"هي… تعرفه. انظر إلى نظرتها."
ورغم أنّ المطر