رميت أمي في كرسي متحرك على الشارع في منتصف العاصفة بسبب زوجتي
أمّي ذهبت مع ذلك الرجل لأنها كانت تعرفه.
أو لأنه عرفها في لحظة لم يعرفها فيها أحد.
وقفت في منتصف غرفة الجار، لا أشعر برجليّ.
وكأنّ الحياة انسحبت من قلبي، تاركةً خلفها سؤالًا واحدًا:
من يكون هذا الرجل…
ولماذا ابتسمت له أمّي بهذه الطريقة…
ولماذا غادرت معه…
دون خوف…
ودون نظرة واحدة إلى البيت الذي تركها خارجه؟
كانت هذه الأسئلة تنهش رأسي وأنا أركض في الشارع المبتل، أبحث عن أي أثر يدلّني إلى اتجاهها. كانت الأمطار قد غطّت الطريق كأنها تمحو كل شيء، حتى آثار عجلات الكرسي التي ظننت أنها ستدلّني. عاد صدى تلك الابتسامة التي رأيتها على وجهها في تلك اللحظة الخاطفة يتردد داخلي، ابتسامة لم أرها منذ سنوات، ابتسامة دفء… وطمأنينة. ليست ابتسامة شخص أُجبر على الخروج في منتصف العاصفة.
وقفتُ وسط الطريق، أتنفس بصعوبة، بينما الرياح تدفعني كأنها تريد إعادتي إلى المنزل. عدت بالفعل، لا لأستسلم، بل لأن شيئًا ما على الأرض شدّ انتباهي لحظة خروجي… ذلك الشيء الذي جعل الدم يتجمّد في عروقي.
كان خاتمًا رجاليًا قديمًا، معدنُه باهت لكن تصميمه لا يُشبه خواتم هذا الزمن. التقطته بيدي المرتجفة. لم يكن يخصّ أبي… فوالدي لم يكن يرتدي الخواتم قط. ولم يكن يخصّ أي شخص أعرفه.
دخلت إلى
سألتني ببرود:
"هل انتهيت من التمثيل؟"
لم أجب. كنت أحمل الخاتم بيدي، وذهني يدور. اقتربتْ، بصوت متهكّم:
"أنت تعلم جيدًا أنها لم تكن عاجزة كما تتظاهر… كانت دائمًا تمثل لتبقى هنا أطول وقت ممكن."
رفعت رأسي بحدة.
"أمي لا تمثل."
ضحكت ضحكة قصيرة، ثم قالت:
"بالتأكيد… والدليل أنها اختفت في اللحظة نفسها التي تركتها فيها. ربما كان لديها شخص ينتظرها؟"
تجمدتُ. كلماتها سقطت في رأسي مثل حجر في بحيرة راكدة.
شخص ينتظرها؟
هل يمكن أن يكون هذا الرجل… أحدًا من ماضيها؟
تركتها وتوجهت مباشرة إلى غرفة أمي. كانت رائحتها ما زالت في الجو، مزيجًا من دوائها ومن اللافندر الذي كانت تحبه. فتحتُ أدراجها لأبحث عن أي شيء يدلّني: رسالة، ورقة، صورة… أي إجابة.
في الدرج الثالث وجدت شيئًا لم أره من قبل: علبة خشبية صغيرة مغلقة بإحكام. كسرت قفلها الصغير، فظهرت أمامي صور قديمة، ورقة صفراء، وخاتمٌ آخر… يشبه الخاتم الذي وجدته تمامًا.
بدأتُ أقلب الصور.
كانت شابة… واقفة بجانب رجل طويل، عريض الكتفين، بملامح قوية ونظرة حادة. لم يكن أبي. ولم يكن مجرد صديق. الهيئة،
تسارعت دقّات قلبي.
هل هذا هو الرجل الذي رأيته الليلة؟
هل عاد بعد كل هذه السنوات؟
ولماذا الآن؟
ولماذا أخذها معه دون حتى كلمة؟
أمسكت الورقة الصفراء. كانت رسالة مكتوبة بخط يد رجل. خط دقيق يملؤه الصبر:
"سأعود حين أستطيع، وحين تكونين بحاجة إليّ.
وإن لم يجتمع طريقانا الآن، فربما يجتمعان حين يشتدّ عليك الزمن…
سأظلّ حيث تعلمين."
أحسست أن الهواء ينقطع عن صدري.
أمي… كانت تحمل قصة أخرى، قصة كاملة لم تخبرنا بها أبدًا.
سمعت صوت الباب الأمامي يُفتح. ركضت إلى الصالة، لكن لم يكن هناك أحد. فقط الريح تدفع الباب. لكن شيئًا ما كان على العتبة… بطانية أمي. كانت مبللة، لكن مطوية بعناية، كما لو أن من وضعها أراد أن يطمئنني أنها ليست في خطر.
لم أعد قادرًا على تجاهل الحقيقة. لم تكن أمي مختطفة. لم تكن تائهة. كانت مع شخص تثق به أكثر من ثقتها بي في تلك اللحظة.
تذكّرت تلك الابتسامة.
كانت ابتسامة امرأة رأت خلاصها.
أغلقت الباب وانهرت جالسًا على الأرض. ظهرت لورا مرة أخرى، هذه المرة بنبرة انتصار:
"أرأيت؟ لقد رحلت بمحض إرادتها. لنقل إن المشكلة حُلّت."
رفعت رأسي إليها ببطء. كانت نظرتها فارغة من أي تعاطف. شعرت فجأة أنني أعيش
قلت لها بصوت منخفض، لكنه لم يرتجف:
"سأبحث عنها… ولن أتوقف."
ردّت بسخرية:
"تبحث عن ماذا؟ عن ماضٍ لم تكن تعلم عنه شيئًا؟"
أحسستُ بثقل لاذع يهبط على صدري، كأن الحقيقة تحوّلت إلى حجر يسحق ما تبقّى من ثباتي. لم تعد الأصوات في المنزل تُسمَع… لا المطر… ولا خطوات لورا… فقط صدى قرار واحد ارتطم بداخلي حتى كاد يمزّقني.
لقد خذلتها.
خذلت المرأة التي حملتني، وربّتني، واحتملت ضعفي وقسوتي، ثم لم تجد عندي في لحظة ضعفها سوى باب يُغلق في وجهها.
جففت وجهي بكفّي المرتجفتين، ونهضت ببطء، كأنني أحمل عمري كله فوق ظهري. حدّقت في الظلام خلف الزجاج، في الشوارع التي ابتلعتها العاصفة، وكأنها صارت عالمًا آخر… عالمًا اختفت فيه أمّي بسبب خطأ واحد ارتكبته أنا.
خطأ لن أغفره لنفسي ما حييت.
همست لنفسي، بصوت لا يسمعه أحد غيري:
"سأجدكِ يا أمي… ولو قلبت المدينة كلها.
سأعيدكِ إلى دفئي… ولو دفعت عمري ثمنًا."
لم أعد أفكّر في لورا، ولا في تهديداتها، ولا في الصراع الذي بدأ كل شيء.
لم يعد يهمّني شيء.
كل ما أعرفه أني منذ تلك اللحظة…
لن أتوقف.
لن أرتاح.
ولن أسمح بأن تكون النهاية كما كانت تلك الليلة.
لأول مرة منذ سنوات طويلة… فهمت معنى
وفهمت أن الطريق الوحيد للمغفرة… يبدأ بالبحث عنها.