زوجي لم يكن يعرف أنني أتحدث الألمانية
زوجي لم يكن يعرف أنني أتحدث الألمانية. عندما سمعت ما قاله زوجي عني... وهو يقدمني لأصدقائه هذه زوجتي. إنها لا تفهم الألمانية لكنها غير مؤذية.
لمدة أحد عشر شهرا كنت أدرس في السر.
لم تكن ليالينا هادئة كما تبدو من الخارج. فكل ليلة حين يغط ماركوس في النوم فوق الأريكة والتلفاز يظل يصرخ كأنما يصر على البقاء مستيقظا بدلا عنه كنت أنسحب خلسة نحو الغرفة الاحتياطية. أغلق الباب ببطء يشبه ارتداد النفس ثم أفتح حاسوبي وأرتدي السماعات وأخفض الصوت إلى درجة تجعل الكلمات تبدو كأنها سر يهمس به الهواء في أذني. لم يكن أحد يعرف أن تلك الجمل التي أعيد ترديدها بصوت يكاد لا يسمع لم تكن مجرد درس عابر بل كانت خيط الأوكسجين الأخير الذي يبقيني حية.
كنت أقول لنفسي مرات لا تعد
سأستطيع سأتمكن سأصل.
لماذا الألمانية
ولماذا أخفيها
لم أمتلك جوابا واضحا في البداية. بدأ الأمر بإعلان عن دورة مجانية صادفته مصادفة ثم بفضول لم أتوقع أن يتجاوز حدود التجربة. لكن شيئا ما تغير سريعا
حين تزوجنا قبل خمسة عشر عاما كان ماركوس في نظر الجميع رجلا لطيفا طموحا حاضرا بذكائه وحرارته. كنت أصدق هذا الحضور قبل أن ينقلب. فقد بدأ السحر يتلاشى واستحال الاهتمام إلى توجيه والتوجيه إلى نقد دائم ثم إلى سيطرة هادئة لا تصرخ لكنها تنهك. ومع السنوات تحول كل ما في إلى شيء باهت في عينيه لا أكثر من ملحق من عبء يحتاج إلى ضبط.
كلما أظهرت اهتماما بشيءفصل طبخ دورة خزف يوغا قراءة جماعيةكان يكرر الجمل نفسها بنبرة ضيقة
ليس كل شيء يجب أن يتحول إلى مشروع يا كيشا.
التصقي بشيء واحد لمرة واحدة فقط.
هل تعرفين كم أدفع من الفواتير
وأقساها
لا تبدئي شيئا لن تنهيه. هذا يحرجني.
ومع تكرار تلك الكلمات انطفأت رغبتي في التحدث. توقفت عن إخباره. توقفت عن المحاولة. عن الظهور. حتى الألمانية
في ذلك الصباح حين بدأ كل شيء ينكشف كان السبت يشبه أي يوم آخر سوى أن ماركوس بدا أكثر تفاؤلا من المعتاد. جلس إلى المائدة وقال بجفاف مفعم بالارتياح
لدينا موعد لمعاينة شقة جديدة. البائع ألماني مغترب. السعر مناسب والحي هادئ.
رددت بكلمة مقتضبة وأنا أضع الصحون في الحوض. لم يلحظ ضيقي ولم يسأل عنه فلم يكن يفعل ذلك أصلا.
غادر لإجراء بعض المهام التي أعلم أنها لا تتعدى جلوسه طويلا في مقهى يقرأ فيه التعليقات الرياضية. وعندما اختفى خارج الباب تنهدت بضحكة قصيرة بلا معنى ولا دفء.
بائع ألماني.
يا لسخرية القدر.
عند العاشرة وخمس وأربعين دقيقة عاد ماركوس وأطلق بوق السيارة بإلحاحه المعتاد. لم أجادل. جلست بجواره وقدنا بصمت يمتد كظل كثيف. وما إن وصلنا إلى المبنى الأنيق حتى وقف أمامه يعدل قميصه وقال بثقة
بما أن البائع ألماني سأخاطبه بلغته. هذا يسهل التفاوض. أنت فقط ابتسمي. سأقوم أنا بالترجمة.
اكتفيت بإيماءة صغيرة.
لم يخطر بباله ولو للحظة أنني أفهم كل كلمة.
فتح رجل في الخمسينات من عمره الباب. طويل القامة ذو ملامح مهذبة وعينين تشيان بلطف أصيل. قال
أهلا أنا توبياس فوكس.
صافحه ماركوس بابتسامة مغرورة ثم قال بالألمانية
ماركوس كيلر وهذه زوجتي. لا تفهم الألمانية لكنها غير مؤذية.
غير مؤذية.
تنزلق الكلمة فوق جلدي مثل لسعة.
هل هكذا رآني حقا
شيئا بلا تأثير بلا حضور مجرد ظل لا يخشى منه ولا يحسب وجوده.
توبياس لمح انقباض وجهي وإن كنت حاولت إخفاءه. تباطأت حرارة الترحيب في نبرته للحظة. ثم دعانا للدخول.
كانت الشقة فسيحة مشبعة بضوء ناعم كأنها تنتظر من يعيد إليها الحياة. لكني لم أستطع أن أرى شيئا من جمالها. كان رأسي مشدودا إلى الكلمات التي تتطاير كطعنات.
ماركوس لم يدع فرصة تمر إلا واستغلها ليتحدث بالألمانية وليتحدث عني.
ولم يكن الحديث وصفا محايدا بل تقليلا وسخرية ناعمة وسلطة يستعرضها أمام رجل لم يعرفه إلا منذ دقائق.
قال ضاحكا
إنها ليست ذكية جدا لكنها تتابع الأمور البسيطة.
وفي مرة أخرى
لا تعمل. تبدأ أشياء