زوجي لم يكن يعرف أنني أتحدث الألمانية

لمحة نيوز

كثيرة ولا تكمل شيئا. ينقصها الانضباط.
وأقساها
لطيفة لكن ليست من النوع الذي تعتمد عليه فعلا.
ضحكته كانت الأشد وقعا ضحكة استهانة ضحكة رجل يختبر قوته على حساب زوجته.
لم يضحك توبياس.
كان ينظر إلي بين حين وآخر نظرات قصيرة لكنها واعية كأنه يسمع الكلمات بطبقة أعمق مما يقوله ماركوس وكأنه يدرك أن هناك جرحا يتسع أمامه.
تابعنا الجولة حتى وصلنا إلى غرفة المكتب. أضاءتها نافذة تطل على الأشجار كأنها مكان صمم لامرأة تبحث عن مساحة تتنفس فيها. قال توبياس
كنت أحب هذه الغرفة كثيرا.
لكن ماركوس أشار بلامبالاة
كبيرة جدا على مكتب. ربما نجعلها غرفة غسيل. زوجتي تقضي وقتا طويلا في التنظيف.
هناك
سمعت صوتا داخليا يتكسر.
لم أصرخ.
لم أجادل.
لم أهرب.
لم أكن أملك القوة بعد.
لكن توبياس رفع حاجبه نظرة طويلة لم تكن موجهة إلي بل إلى ماركوس نظرة رجل بدأ يرى ما كان مستترا.
ثم التفت إلي وقال بالألمانية بلطف
هل ترغبان في رؤية الشرفة الضوء فيها جميل بعد الظهر.
أجبته بالألمانية بابتسامة صغيرة
نعم أود ذلك.
كانت تلك اللحظة الشرارة الأولى.
اللحظة التي تغير فيها شكل الهواء بيننا.
ماركوس استدار ببطء كأن شيئا انكسر في توقعاته.
توبياس اتسعت عيناه بدهشة هادئة.
كانت تلك
المرة الأولى التي يسمعان فيها صوتي الحقيقي.
صوت لم يخرج مرتجفا بل ثابتا كأن أعواما
من الصمت الطويل كانت تختبئ خلف حنجرتي تنتظر اللحظة التي يسمح لها فيها بالظهور. كان الهواء ثقيلا كأن الشقة بأكملها علقت بين شهيق وزفير. ماركوس تجمد كأنه رأى شبحا يتشكل أمامه. أما توبياس فقد وقف هادئا كمن يشهد شيئا يعرف أنه أهم من أي مفاوضات أو جدران أو سعر شقة.
تقدم ماركوس خطوة نحوي لا غضب في وجهه هذه المرة بل صدمة خامدة خوف لم يعرف كيف يموهه.
قال بصوت منخفض
كيشا لماذا لم تقولي شيئا
لم أبتسم. لم أخفض نظري. لم أعتذر.
قلت له بهدوء يشبه بابا يغلق إلى الأبد
لأن صوتي لم يكن ملكي. كنت أتعلم استعادته.
فتح فمه ولم يجد كلمات. رأيت ذلك الفراغ في عينيه فراغ رجل أدرك فجأة أن المرأة التي اعتقد أنه يملكها كانت تبني عالما كاملا خلف ظهره عالما لا يستطيع دخوله.
توبياس تدخل بلطف وقد بدا عليه الاحترام العميق
ربما يجب أن ننهي الجولة هنا. أظن أن السيدة تحتاج إلى مساحة.
هز ماركوس رأسه بلا وعي كأنه يبحث عن أي نقطة يمكنه الإمساك بها ليثبت نفسه لكن الأرض كانت قد انسحبت من تحت قدميه.
قلت له قبل أن يتحرك خطوة أخرى
أنا راحلة.
ارتجت شفته كأنه يريد أن يقول إنني أبالغ أو إن كل شيء يمكن إصلاحه أو إنني بحاجة فقط إلى الهدوء. لكنني لم أعد أبحث عن إذن للمغادرة.
استدرت وخرجت من الصالة.
خطوتي كانت أول قرار حر أتخذه منذ سنوات.
ومع كل خطوة شعرت
أن شيئا ينسلخ عني خوف قديم ارتباك صمت ورضوخ طويل كان يثقل روحي.
في الممر المؤدي إلى باب الشقة لحقني صوت توبياس من الخلف ليس عاليا ولا متطفلا بل صادقا
حافظي على هذا الصوت إنه واضح لك الآن.
لم ألتفت لكنني رفعت رأسي بشكر لم يحتج إلى كلمات.
عند الباب حاول ماركوس اللحاق بي لكن توبياس أوقفه بإيماءة بسيطة مهذبة حازمة. لم أسمع ما قاله لكنني سمعت الصمت الذي تبعه صمت رجل بدأ يدرك أنه خسر شيئا أكبر من لغة وربما أكبر من زواج.
نزلت السلم بدل المصعد. كنت أريد أن أشعر بثقلي الحقيقي بثقل خطواتي وهي تطرق الدرجات كأنها تعلن عودتي إلى نفسي.
حين وصلت إلى الشارع كان الهواء باردا وطريا يحمل بداية نهار جديد رغم أن الساعة لم تتجاوز الظهيرة. مشيت دون النظر خلفي. كنت أعرف أن أي التفاتة واحدة ولو صغيرة قد تعيد سنوات كاملة إلى كتفي وأنا لم أعد أريد حملها.
مشيت كأن الشارع يفسح لي الطريق.
كأن العالم للمرة الأولى يرحب بي لا بنسخة خافتة مني.
بعد ساعات عدت إلى البيت.
دخلت بخطوات صامتة لم أدخلها منذ زمن. ماركوس لم يكن في المنزل بعد. ربما كان يبحث عني أو ربما كان يواجه صدى الصدق الذي سمعه للمرة الأولى.
جمعت حقيبة صغيرة فقط.
الثياب التي تمنحني شعورا بالخفة.
جواز السفر.
الحاسوب المحمول.
والسماعات التي بدأت بها رحلتي تلك التي حملت صوتي الأول
المكسور وأنا أتعلم كلمة أستطيع.
عندما خرجت إلى الباب سمعت صوت محرك سيارته يتوقف أمام
المنزل. فتح الباب بسرعة كأن اللهفة تدفعه دفعا.
كيشا دعينا نتحدث. لا ترحلي هكذا. كنت أمزح أنت تعرفينني. كنت أتوتر في المفاوضات الأمر خرج مني.
وقفت في العتبة والحقيبة على كتفي.
نظرت إليه نظرة طويلة نظيفة لا تحمل غضبا ولا اعتذارا.
قلت
الأمر لم يخرج منك اليوم. الأمر خرج منك منذ سنوات. وأنا كنت أحتاج إلى وقت لأدركه.
مد يده نحوي كمن يريد أن يمسك الهواء إن لم يستطع إمساكي.
كيشا من أجلي فقط ابقي. نتحدث. نصلح. ماذا تريدين
أغمضت عيناي لحظة.
وعندما فتحتهما كان القرار واضحا كأنه مكتوب على الجدار.
أريد أن أعيش في مكان لا يطفئ صوتي.
تراجع خطوة كمن تلقى ضربة ناعمة لكنها قاطعة.
لم يقل شيئا. لم يجد شيئا.
أغلقت الباب من خلفي.
وخرجت.
في المساء جلست في مقهى صغير على الرصيف.
فنجان قهوة رائحة خشب صفحة مفتوحة من كتاب قواعد ألمانية.
كانت الكلمات الجديدة تبدو أكثر رحابة أكثر استعدادا لاحتوائي.
للمرة الأولى منذ أعوام شعرت أن نفسي تعود إلي لا خائفة ولا مترددة بل واقفة مستقيمة تتنفس بلا أنين.
نظرت إلى الصفحة أمامي.
إلى الكلمة التي بدأت بها كل هذه الرحلة
أستطيع.
ابتسمت.
ثم بهدوء يشبه وعود الفجر كتبت على الهامش
الصوت الذي تستعيدينه يصبح بيتك الجديد.

رفعت رأسي نحو الشارع نحو العالم نحو الضوء الممتد بين الأشجار.
وهمست
والآن أكمل رحلتي.

تم نسخ الرابط