كنتُ قد وضعت مولودي قبل دقائق فقط، حين اندفعت ابنتي ذات الثمانية أعوام إلى غرفة المستشفى

لمحة نيوز

أن تعمل الطاقة الاحتياطية لكن تلك اللحظة كانت كافية لزرع الرعب في كل خلية من جسدي. هرعت إلى الردهة بينما تجمدت ريبيكا في باب الغرفة.
قلت لها وأنا أمسك يدها بقوة ابق معي. لاحظ الضباط في الخارج الانقطاع فورا. أضاءوا الفناء بمصابيحهم وفحصوا النوافذ والسياج والشارع. قال أحدهم الحي بأكمله فقد الكهرباء. نفحص المنطقة. تنفست بصعوبة على الأقل لم يكن الأمر موجها إلينا تحديدا. أو هكذا أردت أن أصدق.
عدنا إلى غرفة المعيشة فيما كان الضباط يمشطون الخارج بحذر بالغ تتقدمهم مصابيحهم الصغيرة كعصافير ضوء تمزق ظلام الحديقة والسياج. كنت أسمع أصواتهم الخافتة عبر الزجاج أوامر قصيرة خطوات مدروسة احتكاك الأحذية بالأرض الرطبة. لكن رغم كل هذا لم أشعر بأي طمأنينة حقيقية.
كانت ريبيكا ملتصقة بي التصاقا شديدا كأنها تخشى أن ينتزع جسدي من بين ذراعيها. تنفسها كان سريعا متقطعا كأن صدرها ضاق فجأة على الهواء. حاولت بقدر استطاعتي أن أضمها دون أن أضغط على مكان الجرح أو أثقل على عضلاتي المنهكة بعد الولادة لكن الخوف يمنحنا أحيانا قدرة لا نفهمها.
أما إيثان فكان نائما في سريره الصغير قرب الحائط مغمض العينين
بسلام نادر لا يشبه العالم الذي نواجهه خارج هذه الجدران ولا يشبه الرجل الذي طاردنا اليوم حتى داخل المستشفى.
وقبل أن أستجمع أنفاسي فتح باب غرفة المعيشة ببطء ودخل مارك بلا موعد ولا طرق كأن شيئا بداخله أخبره أننا بحاجة إليه أكثر من أي وقت. كان واقفا هناك في إطار الباب والضوء الخلفي يصنع هالة خافتة حول كتفيه. قال بصوت منخفض لكنه ثابت ظننت أنكم قد تحتاجون إلى دعم إضافي الليلة. هل يمكنني البقاء قليلا
لم أستطع الكلام فورا فقط أومأت. إيماءة قصيرة لكنها كانت تعني الكثير. جلس على الكرسي المقابل لنا شبك أصابعه كما يفعل كلما أراد قول شيء خطير. في تلك اللحظة بدا لي ليس كشرطي يؤدي عمله بل كإنسان يحمل على كتفيه مسؤولية حياة كاملة.
قال وهو ينظر إلي ثم إلى ريبيكا رأيت حالات مشابهة. ليست مطابقة لكنها تحمل النمط ذاته هوس يمتزج بالغضب. وهذا النوع من الأشخاص مثل دانيال يبدأ بالتصعيد حين يشعر أنه فقد السيطرة. شعرت بقشعريرة باردة تجري عبر ظهري. سألته وصوتي بالكاد خرج وماذا نفعل الآن كيف نمنعه أجاب بثقة خالية من المجاملة باتباع كل التوصيات حماية المنزل أولا عدم خروجك وحدك تحت أي ظرف
تقرير أمني يومي وربما الانتقال المؤقت إن استدعى الأمر.
نظرت إليه طويلا. لم أكن أريد أن أهرب من بيتي بيتي الذي بنيته بشقاء والذي ولدت فيه ابنتي وترعرعت بين جدرانه لكني لم أعد أرى الجدران كما كانت. أصبحت جدرانا يمكن أن تخفي وراءها ظل رجل مهووس ظل زوج سابق يعرف كيف يدخل دون أن يسمعه أحد.
رفعت ريبيكا عينيها إلى مارك وأدركت للحظة كم كبرت خلال يوم واحد. كانت تستمع بحدة كأن كل كلمة تشكل جزءا من أمنها الشخصي. قال مارك بنبرة خافتة لكنها حاسمة لقد ترك تلك الرسالة لأنه يريدك خائفة. يريد أن يظن أن السيطرة ما تزال بيده. لكن الحقيقة أن الخوف ليس قوة إلا إذا سمحنا له أن يكون كذلك.
كانت تلك الجملة كصفعة توقظ من غيبوبة. نظرت إلى طفلي إيثان الذي ينام دون أن يعرف شيئا عن العالم القاسي الذي ولد فيه وإلى ريبيكا التي وضعت جسدها الصغير بيني وبين الخطر بمحبة لا توصف وشعرت بشيء يتحرك داخلي شيء يشبه القوة أو الغضب أو الأمومة في أقصى صورها. قلت لنفسي لن أدعه يأخذ ما تبقى منا.
واصل مارك قائلا لن تواجهي هذا وحدك. سنكون معك خطوة بخطوة. هذا وعد. كانت تلك أول مرة أشعر فيها بومضة أمل حقيقية
منذ بداية اليوم. ليست شعلة كبيرة لكنها كانت كافية لإبعاد الظلمة قليلا.
أنهى الضباط جولتهم الثانية وأبلغوا بأن كل ما حول المنزل آمن. قال أحدهم سنظل خارج المنزل طوال الليل. كل ثلاثين دقيقة جولة تفقدية. سمعت كلماته لكن قلبي ما زال يرفض الطمأنينة. الخوف حين يدخل القلب لا يغادر بسرعة.
تسلل النعاس إلى ريبيكا. غلبتها الدموع المتبقية على جفونها الصغيرة فنامت وهي متشبثة بقميصي كأن يدها إذا أفلتت ستسقط بنا جميعا إلى هاوية أخرى. أما أنا فجلست قرب سرير إيثان مررت أصابعي على يده الصغيرة. كانت دافئة وبرئية متناقضة تماما مع ذلك العالم الموحش الذي ينتظرنا خلف الباب.
انحنيت نحوه وهمست لن يفوز الخوف. لن يأخذ منا شيئا بعد الآن. هذا وعد يا صغيري. ثم وقفت ببطء اقتربت من النافذة وفتحتها قليلا كي أتنفس. دخل هواء الليل باردا وحادا كأنه يقص من صدري جزءا من الرعب ويستبدله بقدر بسيط من الشجاعة.
عرفت حينها أن القادم سيكون طويلا وصعبا ومليئا بالاختبارات. لكنني عرفت أيضا أنه لن يكون مستحيلا لا طالما كان في داخلي ما يكفي لأحمي طفلي ولا طالما ظلت ريبيكا ممسكة بيدي بذلك الإصرار الصامت لن يستطيع
أحد إسقاطنا.

تم نسخ الرابط