تحركي أيتها العاجزة

لمحة نيوز

شفتاه وقد أدرك أن ما كان يفعله ليس مجرد مزحة مدرسية كما كان يصفها بل قسوة لا تغتفر.
ولأول مرة ذلك الصباح شعرت إميلي بالأمان شعور لم تعرفه منذ سنوات.
ليس الأمان الذي يأتي من جدران المنزل ولا من ابتسامة الأم ولا من وعد معلم بل الأمان الذي يأتي حين يقف رجل مجهول في وجه العالم ويقول
أنا هنا ولن أسمح لهم بإيذائك.
ساعدها مايك على الوقوف وكانت يده كبيرة دافئة تمسك بذراعها بثبات يشبه ثبات الأرض تحت قدميها. ناولها عكازها المنزلق بلطف لا يتوقعه أحد من رجل يحمل وشوما على ذراعيه وجسده كخريطة حفرت بنار التجارب.
ثم التفت نحو الفتية
والآن تعتذرون. وبصوت يسمعه الجميع.
كان صوته حادا لا يسمح بالمناقشة.
ترددوا تبادلوا نظرات مذعورة لكنهم حين سمعوا خمسين دراجة تهدر في آن واحد صرخوا معا مذعورين
نعتذر! نعتذر! نحن آسفون!
أومأ مايك برأسه.
هكذا أفضل.
كانت تلك الجملة بسيطة لكنها كانت بمثابة ختم العدالة على يوم بدأ قاسيا وكاد يكسر فتاة كانت تحاول فقط الوصول إلى مدرستها.
وعندما اقتربت الحافلة كانت إميلي ما تزال غير مصدقة لما جرى.
ورغم اهتزاز قدميها وصوت قلبها المتسارع رفعت رأسها نحو مايك وهمست
لماذا توقفتم من أجلي
ابتسم ابتسامة صغيرة لكنها غيرت صباحها بالكامل. ابتسامة رجل يعرف الدنيا جيدا يعرف الظلم
ويعرف الألم ويعرف متى يجب أن يقف.
لأن أحدا لا يستحق أن يقف وحده.
كانت تلك الجملة شيئا يشبه الشفاء كأن أحدهم وضع ضمادة على جروح في قلبها لا تراها العين.
في صباح اليوم التالي لم يكن شيء يشبه الأمس إلا أن اسم إميلي كان يتردد في أماكن لم تتوقعها يوما.
استيقظت على صوت هاتف يرن بلا توقف
في البداية ظنت إميلي أن أمها تحمل خبرا مزعجا لكن ملامحها كانت مزيجا غريبا من الدهشة وابتسامة مرتبكة. جلست إميلي على السرير وركبتاها ما زالتا تؤلمانها منذ حادث موقف الحافلة غير أن الذكرى الأقوى التي عادت إليها كانت صوت مايك وهو يقول لها لا أحد يستحق أن يقف وحيدا.
نادتها أمها من غرفة الجلوس. سارت بعكازيها ببطء حتى وصلت إلى التلفاز لتجد نشرة الأخبار تعرض مقطعا لفتاة بعكازين وعدد من الدراجين يتصدون لمتنمرين. ظهر الفيديو بوضوح إميلي ملقاة على الأرض وركبتاها داميتان والفتية يضحكون ثم هدير الدراجات وهو يقترب ويد الرجل ذي اللحية الرمادية تمتد لمساعدتها وصوتها وهي تسأله لم وقفتم لأجلي وصوته يجيب بثبات لأن لا أحد يستحق أن يقف وحيدا.
سرت قشعريرة في جسدها. كانت أمها تحمل هاتفها وشاشته تمتلئ بمنشورات تصدرت مواقع التواصل
تسعة وتسعون دراجا يوقفون التنمر في أوهايو.
إميلي أنت قوية.
فرسان الحديد أبطال حقيقيون.
للمرة
الأولى رأت إميلي نفسها ليست كضحية بل كرمز لشجاعة لم تكن تعرف أنها تحملها.
وضعت أمها يدها على كتفها وقالت بصوت لم تستطع إميلي مقاومته أنا فخورة بك.
وعندما ذهبت إلى المدرسة لم يكن الأمر عاديا. الوجوه التي اعتادت تجاهلها بدأت تنظر إليها باحترام خجول. بعض الفتيات تبادلن معها ابتسامات سريعة وشاب مر بجوارها وهمس لها أحسنت.
وفي الصف قال المعلم أمام الجميع كلنا سمعنا بما حدث ونحن فخورون بك.
علمت لاحقا أن الإدارة استدعت المتنمرين وبدأت تحقيقا جادا هذه المرة بلا تهاون أو تظاهر بالانشغال.
لكن رغم كل هذا كان بداخلها صوت خافت يذكرها بالحادث القديم وبالعكازين اللذين صارا امتدادا لجسدها أكثر مما أرادت.
بعد أيام وفي صباح سبت هادئ سمعت هدير الدراجات أمام منزلها. اقتربت من النافذة وسحبت الستارة بفضول فوجدت صفا من الدراجات مصطفا أمام بيتها وأعضاء النادي يقفون بوجوه ودودة ومايك في مقدمتهم يحمل باقة من الأقحوان البيضاء.
طرق الباب وعندما فتحته قال مبتسما
أتظنين أننا سننساك هذا مستحيل.
سمحت أمها لهم بالدخول وقال أحد الدراجين بصوت عميق
ما فعلناه هو ما كان ينبغي فعله.
جلس مايك في غرفة الجلوس وحين سألته الأم عن سبب زيارتهم قال بهدوء
الوقوف معها في لحظة واحدة لا يكفي لإصلاح وجع سنوات. جئنا لنخبرها
أن ما حدث لم يكن صدفة بل بداية.
ومنذ ذلك اليوم لم يعودوا مجرد أبطال عابرين. صاروا جزءا من حياتها.
يصلحون الأعطال الصغيرة في البيت ويرسلون من يوصلها إلى المدرسة في الأيام الباردة ويرفضون أن يتركوها تمشي وحدها على الطرق الزلقة.
إميلي لم يكن لها أب وكانت أمها سندها الوحيد والآن صار لها سند آخر مختلف لكنه صادق.
مايك لم يحاول أبدا أن يملأ مكان أحد. كان فقط رجلا يحمل احتراما صادقا ويقدم دعما حقيقيا.
وفي إحدى الزيارات وبعد صمت طويل خجول قالت له إميلي
لا أريد أن أكون فقط تلك الفتاة التي تم إنقاذها الناس يرونني ضحية.
ابتسم مايك وقال بثقة لطالما احتاجت إليها
ما دمت لا تريدين أن تكوني كذلك فلن تكوني.
ومنذ تلك اللحظة صارت لقاءاتهم دروسا صغيرة لكنها حقيقية
كيف ترد بثبات دون أن تتحول إلى قسوة.
كيف ترى عرجها كقصة نجاة وليست نقصا.
كيف تعبر الشارع بإيقاعها الخاص دون أن تعتذر.
كيف تنظر في المرآة فلا ترى الجرح بل ما تجاوزه.
علموها إصلاح الأشياء البسيطة تغيير مصباح استخدام المفك وحتى تبديل إطار سيارة. وكلما نجحت في شيء لمحت في أعينهم فخرا خاليا من الشفقة.
وفي المقابل كانوا يقصون عليها حكاياتهم
معارك خاضوها خسارات عبروا بها لحظات ضعف كادت أن تكسرهم وكيف كان شخص واحد في بعض الأحيان ينقذهم من
السقوط.
ومع كل حكاية تسمعها كانت تدرك شيئا جديدا
أن العرج
تم نسخ الرابط