تحركي أيتها العاجزة

لمحة نيوز

ليس أقسى ما واجهته
وأن الكسور المخفية في الروح أعمق بكثير من تلك التي ترى على الجسد.
ومع مرور الأشهر لم يعد حضورها إلى مقر النادي غريبا فقد صار لها مكان ثابت قرب الباب تراقب الداخلين والخارجين تشاركهم الضحكات وتروي لهم شيئا من حكاياتها. شيئا فشيئا انخرطت في نشاطاتهم الخيرية تساعد في ترتيب الطاولات تنظيم الكتيبات وتثبيت البالونات في فعاليات الأطفال بالمستشفيات.
وكان شعورها بالانتماء يكبر مع كل يوم. كانت تراقب الأطفال بعضهم على كرسي متحرك وبعضهم فقد شعره تماما وكلما ابتسمت لهم رأت في أعينهم السؤال ذاته الذي كان يسكنها يوما هل يمكن أن نكون سعداء رغم كل شيء وكانت الإجابة تتشكل ببطء نعم.
لأول مرة شعرت أنها ليست الفتاة التي تمشي بعكازين بل شخص له دور ومكان وعائلة اختارته كما هو. ومع الأشهر نما بداخلها شيء يشبه جناحين خفيين. لم تعرف متى بدأ الأمر حين صعدت لأول مرة خلف مايك على دراجته أم حين وقفت أمام فصل كامل وتحدثت بلا خوف أم حين نظرت إلى العكازين
فرأت فيهما تاريخها لا ضعفها
جاء صباح سبت مشمس. كانت الشمس تتلألأ فوق خزانات الوقود والدراجات والخوذ المصطفة أمام مقر النادي. كان يوم الركوب الخيري الذي يقيمه فرسان الحديد دعما للأطفال ذوي الإعاقة. وقفت إميلي على حافة التجمع تراقب عشرات الدراجات اللامعة الأزواج يضحكون الشباب يلتقطون الصور امرأة تحمل خوذة وردية وطفلة تلوح بعلم صغير.
لم تكن في الهامش بعد الآن.
اقترب مايك يحمل خوذتها الجديدة المزينة بزهرة الأقحوان الزهرة التي أهداها لها أول مرة. قال مبتسما
جاهزة للطريق
أومأت بثقة. قبل عام كانت تخشى السقوط من سلم صغير فكيف بدراجة نارية لكن يدا صادقة جعلتها تقف حيث لم تتخيل.
جلست خلفه وثبتت عكازاها على جانب الدراجة. وعندما اشتعل المحرك بدا لها كقلب ضخم ينبض بقوة العالم. كانت الريح حادة فغلقت عينيها لحظة ثم فتحتهما وتعلقت بأكتافه لا خوفا بل استعدادا لعبور لحظة فارقة.
انطلقت الدراجات كصف من السهام اللامعة. السيارات تفسح الطريق والناس يلوحون والأطفال
يركضون نحو الأرصفة. رفعت إميلي وجهها نحو الشمس. ولأول مرة منذ الحادث لم تشعر أنها محصورة داخل جسد محدود بل ممتدة منطلقة.
توقفوا عند مطعم صغير على الطريق. نزلت ببطء لكن بثبات. لم تعد تخفي الألم ولم تعد ترى عكازيها كعار بل كقلم يكتب طريقها.
وقف مايك قربها شعره الرمادي مبعثر بفعل الريح. ضحكت وقالت
تعرف ما المدهش لم أعد أشعر أنني مكسورة.
نظر إليها طويلا ثم قال
لأنك لم تكوني مكسورة يوما كنت فقط بحاجة لمن يذكرك بقوتك.
كلماته لم تحتج ردا. شعرت بشيء قديم بداخلها يلتئم أخيرا.
عادت إلى المدرسة يوم الإثنين. لم تعد الممرات ضيقة ولا النظرات تثقل خطواتها. كانت تمشي ورأسها مرفوع. وعندما طلبت الإدارة أن تتحدث في لقاء عن التنمر وقفت أمام الطلاب بثبات. قالت بصوت قوي هادئ
التنمر ليس سقوطا على الأرض بل سقوطا في الروح. وأسوأ ما فيه أنه يجعلك تصدق أنك ضعيف. لكن القوة ليست في القدمين بل في القلب الذي يجعلك تقف كل مرة.
امتلأت القاعة بالتصفيق. وفي الخلف وقف رجل بلحية
رمادية خوذته تحت ذراعه ينظر إليها بفخر أبوي. إيماءة منه كانت أغلى من كل التصفيق.
بعد أشهر في صباح هادئ عادت إميلي إلى موقف الحافلة القديم. نفس الرصيف ونفس لوحة الإعلانات ونفس العمود الذي ارتطمت به يوم سقطت. لكن هي لم تعد كما كانت.
كانت خطواتها ثابتة يدها تمسك بالعكاز بثقة ولم تكن وحدها. على بعد أمتار كان يقف اثنان من فرسان الحديد وكأن وجودهما عابر لكنها عرفت أنهما هنا لأجلها. ليس لحماية جسدها بل لحماية روحها من الوحدة.
ابتسمت لهما فبادلاها الإيماءة. مرت الحافلة ورأت انعكاس وجهها في زجاجها عينان أعمق ندوب باقية لكنها لم تعد تخيفها فتاة لم تعد ترى نفسها عاجزة بل ناجية ومقاتلة.
همست لنفسها
القوة ليست في المشي بلا عرج بل في القدرة على النهوض كل مرة.
صعدت إلى الحافلة وفي البعيد دوى هدير محركات مألوف وعد بأن العائلة ليست دائما من نولد بينهم بل من يظهرون حين يرحل الجميع.
وانطلقت الحافلة نحو يوم جديد بينما بقيت آثار الدراجات على الطريق كأنها توقيعات
لشجاعة لا تقف وحدها.

تم نسخ الرابط