الصبي المشرد صرخ بشدة لا تأكل هذا! والملياردير يتجمد مكانه حين عرف السبب!
كان الملياردير والرئيس التنفيذي لشركة هيل غلوبال يجلس وحيدا على طاولة في الركن ولأول مرة منذ أسابيع سمح لنفسه باستراحة قصيرة بعيدا عن الاجتماعات وصفقات المليارات. أخذ نفسا بطيئا وهو يتفحص هاتفه فيما وضع النادل أمامه طبق الغداء سلمون مشوي بصلصة الليمون.
كان يرفع الشوكة ليأخذ أول لقمة
حين دوى صوت صغير حاد مزق همسات المكان الراقية
لااا تأكل هذا!!
تجمد بنجامين مكانه. واستدار الجميع نحو مصدر الصوت.
كان هناك صبي في نحو الثامنة من عمره يقف قرب السياج عند مدخل المقهى. ثيابه متسخة شعره أشعث وفي يده دمية دب ممزقة. عيناه الواسعتان كانتا مليئتين بالذعر.
صرخ مرة أخرى بصوت يرتجف
أرجوك! لا تأكله! الطعام مسموم!
هرع رجال الأمن فورا وأمسك أحدهم بذراع الصبي بقوة
سيدي هذا طفل مشرد يريد المال على الأرجح
لكن بنجامين رفع يده وأوقفهم ونظر مباشرة إلى الصبي
ماذا قلت
ارتجف الطفل لكنه لم يتراجع
جاءت امرأة واستبدلت طبقك حين لم يكن النادل منتبها. رأيتها تسكب شيئا من زجاجة صغيرة.
تشنج فكه.
امرأة
هز الصبي رأسه بسرعة.
كانت ترتدي نظارات سوداء ولها أظافر حمراء وأخبرت النادل أنها مساعدتك.
رفع بنجامين حاجبيه بدهشة.
مساعدتي في إجازة فمن تكون هذه المرأة
وضع الشوكة جانبا فورا.
وقال بصوت ثابت
خذوا الطبق وافحصوه فورا.
ارتبك النادل حين لاحظ اضطراب بنجامين ثم حمل الطبق بيدين مرتجفتين واندفع إلى
حين دخل الطبيب أخيرا لم يكن بحاجة إلى أن ينطق بكلمة وجهه كان يحمل الإجابة قبل أن يخرج صوته. قال بنبرة لا تخلو من الذهول
السيد هيل المادة الموجودة في الطبق مادة سامة نادرة تعمل بسرعة هائلة ولا تكتشف بسهولة. لو لم يسحب الطبق فورا لكانت العواقب حتمية.
لم يتكلم بنجامين. الهواء انساب خارج صدره دفعة واحدة كما لو أنه كان محتجزا منذ زمن. لم ينظر حتى إلى التقرير الذي ناوله الطبيب. رفع عينيه فقط وسأل بصوت بدا كجرح حديث
هل كانت ستقتلني خلال دقائق
أومأ الطبيب بثقل
نعم دقائق قليلة فقط دون فرصة لإنقاذك.
ساد صمت كثيف. ومن خلف الزجاج اللامع للمختبر كان بنجامين يشعر أن العالم يعيد ترتيب نفسه بطريقة قاسية كأن كل معنى عرفه بدأ يتفكك بهدوء مريب. هل كان عليه أن يخاف من فكرة أن أحدا أراد التخلص منه أم من الحقيقة المرة بأنه كان على وشك أن يرحل دون أن يترك كلمة وداع واحدة
عاد الأمن بعد قليل يحمل تقريرا كاملا عن تسجيلات الكاميرات. اللقطات صامتة لكنها تصرخ بأعلى مما يفعل الصوت. امرأة تدخل من الباب الجانبي للمطعم نظارة سوداء أظافر قرمزية لامعة خطوات ثابتة تختبئ خلفها نية مدروسة. تقترب من المطبخ تضع شيئا في الطبق ثم تختفي في ممر ضيق خلف المبنى.
كانت
وحين ظهرت بوضوح جمد الدم في عروق الجميع.
لم تكن امرأة مجهولة.
كانت زوجته.
فيكتوريا هيل.
اسمها صورتها عشر سنوات كاملة من حياة رجل تهاوت في لحظة واحدة كما لو أن الزمن نفسه انقلب ضده. لم يشعر بصوته وهو يقول
أعيدوا اللقطة.
أعادوها.
ثم وجهوا الصورة.
ثم أعادوا توضيحها.
وفي كل مرة كانت الحقيقة تصبح أكثر قسوة أكثر صفاء أكثر بشاعة.
كانت هي.
هي التي شاركته فراشه أسراره مجده وانكساراته.
هي نفسها التي وضعت السم في طبقه بيد ثابتة لا ترتجف.
وقف بنجامين ببطء كأن الزمن ألصق على كتفيه عشرين عاما دفعة واحدة. لم يقل شيئا. لكن عاصفة كاملة كانت تشتعل داخله بصمت.
حين عاد إلى قصره كان الليل قد هبط يكسو الأعمدة الذهبية بلمعان بارد لا يحمل دفئا. وعلى الرغم من الضوء الفاخر المنعكس على الزجاج كان داخله مظلما بطريقة لا يمكن لأي مصباح أن يبددها. أحس أن حياته كلها مجرد طبقة رقيقة هشة انكسرت اليوم كأن طفلا دفعها بإصبعه.
خطا داخل الردهة الواسعة ورائحة المنزل التي كانت مألوفة مزيج من الخشب المعتق والعطور الراقية باتت خانقة . ترك معطفه بإهمال ثم وقف في منتصف الردهة كمن يبحث عن جزء من حياته لم يمسه التلوث بعد.
دخل مكتبه الغرفة التي كانت مصدر قوته الدائمة. الرفوف المحملة بالكتب التحف النادرة المكتب المصنوع خصيصا
دخل رئيس الأمن بهدوء ووضع ملفا سميكا أمامه. قال بصوت منخفض
سيدي وجدنا في سيارة السيدة فيكتوريا زجاجة صغيرة. التحليل يؤكد أنها تحتوي المادة نفسها.
رفع بنجامين رأسه. لم يكن في عينيه دهشة جديدة. كان في مرحلة ما بعد الصدمة المرحلة التي يتحول فيها الألم إلى فراغ بارد.
سأل بصوت خافت
أين هي
أجاب الأمني
غادرت المنزل منذ ساعات بحقيبة صغيرة فقط.
قال بنجامين بصرامة هادئة
ابحثوا عنها. لا أريدها أن تهرب.
وحين غادر الرجل فتح بنجامين الملف. رأى صورا لحسابات خارجية تحويلات ضخمة رسائل إلكترونية ترتيبات سفر جوازا مزيفا. لم تكن لحظة غضب عابرة. كانت خطة متكاملة للتخلص منه.
توقفت عيناه عند صورة الطفل إيفان بعد حادثة المقهى. عينان واسعتان تحملان أثر خوف صامت. همس
لو لم يكن هناك
ثم سكت. لم يستطع إكمال الجملة.
رن هاتفه. المستشفى.
أخبره الطبيب أن والدة إيفان مستقرة لكنها تحتاج رعاية مكثفة بسبب سوء التغذية. نهض بنجامين فورا واتجه إلى هناك.
دخل الغرفة. الأم نائمة كمن أنهكته الحياة. شعر للحظة أن مصائر البشر تتقاطع بطرق غريبة وأنه وهذا الطفل وأمه يقفون في معركة واحدة ضد قسوة العالم.
ظهر إيفان عند الباب خجولا ممسكا دميته. سأله بصوت مرتجف
هل كانت تلك السيدة تريد إيذاءك
لم يخدع الطفل. قال بنجامين بهدوء
نعم كانت تريد فعل
سأل الصغير ببراءة جارحة
لماذا أنت رجل طيب.
غرق السؤال في صدره