الصبي المشرد صرخ بشدة لا تأكل هذا! والملياردير يتجمد مكانه حين عرف السبب!
كحجر.
تمتم
بعض الناس يحبون المال أكثر من البشر.
نام إيفان بعدها على الكرسي. غطاه بنجامين بمعطفه ثم خرج.
المطر يهطل. يغسل شيئا عالقا في روحه.
لم يكد يبتعد عن المستشفى حتى جاءه اتصال من الأمن
سيدي وجدنا السيدة فيكتوريا. كانت تحاول مغادرة البلاد عبر مطار خاص. وتم إيقافها قبل صعود الطائرة.
أغلق الهاتف وبقي واقفا تحت المطر كأن قدميه التصقتا بالأرض غير قادر على اتخاذ خطوة واحدة قبل أن يستوعب الزلزال الذي ضرب حياته بلا رحمة. كان الماء ينساب فوق وجهه لكن العاصفة الحقيقية كانت تعصف داخله. شعر للحظة أن العالم الذي كان على وشك الانهيار يعاد تشكيله أمامه لا بنفس الصورة القديمة بل بصورة أكثر صدقا وقسوة وكأن الحقيقة كانت تنتظر هذه اللحظة لتكشف عن أنيابها.
ازدادت غزارة المطر ومعه ازداد الصمت في صدره سكونا غريبا سكونا لم يتذوقه منذ سنوات طويلة. عاد إلى المنزل تلك الليلة لكن البيت لم يعد البيت. الأشياء نفسها كانت في مكانها إلا أن كل تفصيلة بدت كأنها تحمل خيانة مختبئة في الظلال. رائحة عطر فيكتوريا ما تزال عالقة على الستائر حقيبتها مستندة إلى الجدار كما تركتها صبيحة الأمس والكؤوس التي كانت تفضلها مصطفة على الطاولة كأنها تنتظر يدا لم تعد تنتمي إليه.
لكن أكثر ما كان يثقل صدره هو الصمت ذلك النوع من الصمت الذي لا يولد من غياب الأصوات بل من سقوط الأقنعة.
جلس إلى مكتبه محاولا التظاهر بأن الحياة لم تنقلب رأسا على عقب لكنه لم يكد يفتح درجا حتى لاحقته ذكرياتها رسائلها صورها تلك الملاحظات القصيرة التي كانت تتركها على مكتبه كعادتها
لا تنس تناول الدواء.
أراك بعد الاجتماع.
اشتقت إليك.
قرأها واحدة بعد الأخرى وكل جملة كانت كالسهم يغوص في صدره. كيف استطاعت أن تكتب كلمات مليئة بالدفء بينما كانت تخط بيد أخرى خطتها الهادئة للتخلص منه كيف عاش بجانبها عشر سنوات دون أن يرى ما يختبئ تحت جلدها من ظلام
اهتز هاتفه فجأة فانتفض قلبه.
رسالة من ريموند
وجدنا سيارة فيكتوريا متروكة قرب طريق قديم غرب المدينة.
ارتدى معطفه وانطلق مع فريق الأمن. كان الليل باردا والهواء يقطعه البخار المنبعث من أنفاس الرجال المتوترين. وجدوا السيارة مركونة قرب سياج حديدي صدئ أبوابها مغلقة والمفاتيح بداخلها كأن صاحبتها غادرت على عجل أو هربت.
فتح رجال الأمن الباب الخلفي حيث كان صندوق كرتوني صغير مغلق بلصق رخيص. فتحه ريموند ببطء. في الداخل وجدت أربعة أشياء بدت وكأنها خريطة للهروب
جواز سفر مزور رزمة نقود كبيرة زجاجة العطر التي لم تكن تفارقها ودفتر ملاحظات أسود صغير.
مد ريموند الدفتر إليه وقال بصوت خافت
عليك أن تراه بنفسك.
فتح بنجامين الدفتر فوجد صفحات مليئة بكتابات قصيرة وباردة كأنها أوامر عمليات لا تتعلق بإنسان
كسب ثقة النادل.
تبديل
التأكد من عدم وجود كاميرات.
المغادرة قبل إثارة الشبهات.
ثم صفحة أخطر
بعد رحيله سيتم تحويل 34 مليون دولار إلى حسابي الخارجي قبل توزيع الإرث.
أغلق الدفتر كأن الحبر يحرق يده. شعر بالغثيان نفسه الذي اجتاحه عندما اقتربت اللقمة منه في تلك الأمسية المشؤومة. مسح وجهه بكفه وقال بصوت خافت يشبه صرير زجاج ينكسر
لن أسمح لها بالهرب ليس بعد كل هذا.
وبينما كان التحقيق يكشف أن فيكتوريا لم تتحرك وحدها وأن رجلا يدعى هارولد غرينمستشارا ماليا يعمل في الظلالكان شريكها في الخطة كان عالم بنجامين القديم ينهار قطعة بعد أخرى لكن ما كان يشغله أكثر من الخيانة هو الطفل
إيفان.
الوجه الصغير الصوت المرتجف الدمية الممزقة والصرخة التي أنقذت حياته.
في اليوم التالي عاد إلى الكوخ الخشبي المتداعي الذي يعيش فيه الطفل مع أمه. عندما فتح الباب ظهر إيفان أولا. كانت نظراته قلقة لكنها مضيئة ببراءة لم تتلوث بالعالم بعد.
قال بصوت مرتجف
هل هل أنت بخير
ابتسم بنجامين للمرة الأولى منذ أيام
نعم يا بطل بفضلك.
خرجت الأم تسعل بشدة واعتذرت لكنه قاطعها
لا تعتذري عنه. لو لم يفعل ما فعل لما كنت هنا الآن.
جثا أمام الطفل وقال له بحنان لم يعهده بنفسه منذ زمن
هل تعلم ماذا يعني أن تنقذ حياة شخص
هز الطفل رأسه.
يعني أنك شجاع وشجاعتك لن أنساها ما حييت.
سأله إيفان فجأة
هل ستعود السيدة الشريرة
كانت
أجابه بثبات
لن تمسني بسوء أبدا. هذا وعد.
دخل الطفل وأحضر رسمة صغيرة رجل ببدلة رسمية يقف إلى جانب طفل يحمل دمية وفوقهما شمس صفراء كبيرة.
كتب بخطه المرتجف
الرجل الطيب الذي أنقذني وأنا أنقذته.
في تلك الليلة اتخذ قرارا لا رجعة فيه
سينتشل الطفل وأمه من الفقر والمرض والخوف.
وقع أوامر بالعلاج والسكن والدراسة والرعاية. وللمرة الأولى منذ اكتشاف الخيانة شعر أنه يفعل شيئا يعيد إليه إنسانيته.
لكن فيكتوريا لم تستسلم. وبعد خمسة أيام ظهرت في مطار خاص تحاول الفرار باسم مزيف. وصل بنجامين ورجاله قبل دقائق من الإقلاع. وعندما أحاطوا بها سقط قناعها الأخير. صرخت انهارت لكن شيئا لم يعد يحرك فيه شفقة.
اقترب منها وقال بصوت خافت متعب
أردت حياة جديدة على حساب حياتي.
لم تجب.
ودفعت إلى الداخل لتختفي خلف باب لم يفتح بعدها.
عاد إلى قصره حيث وجد إيفان ينتظره تحت ضوء الحديقة البرتقالي. ركع أمامه فاقترب الطفل وقال بصوت صغير
أردت أن أتأكد أنك بخير.
ابتسم بنجامين ابتسامة حقيقية هذه المرة
أنا بخير طالما أنت هنا.
ومنذ ذلك اليوم تغير البيت الكبير لم يعد خاليا ولا باردا.
امتلأت ممراته بضحكات طفل وعاد الضوء يتسلل من نوافذه كأن الحياة قررت أن تمنحه فرصة جديدة.
وأحيانا في الليالي الهادئة كان يسمع تلك الصرخة التي غيرت كل شيء
لا
صرخة لم تنقذ حياته فحسب بل أعادت تعريف معنى أن يعيش حقا.