لم يكن لوالد زوجي أيّ تقاعدٍ أو معاش اعتنيتُ به بقلبي كاملًا طوال اثنتي عشرة سنة

لمحة نيوز

لم يكن لوالد زوجي أي تقاعد أو معاش اعتنيت به بقلبي كاملا طوال اثنتي عشرة سنة ومع أنفاسه الأخيرة ناولني وسادة ممزقة وعندما فتحتها لم أستطع حبس دموعي 
على مدى اثنتي عشرة سنة طويلة حملت مسؤولية كان كثيرون يهمسون بأنني لست ملزمة بها 
قالوا إنني مجرد زوجة الابن أصغر من أن أتحمل هذا العبء مشغولة أكثر من اللازم ساذجة بما يكفي لأصبح الراعية الكاملة لرجل مسن لا تربطني به أي رابطة دم 
لكن بالنسبة إلي لم يكن بيل عبئا قط 
كان أبا فقد زوجته مبكرا جدا وربى أربعة أبناء بلا شيء سوى يدين متشققتين وشجاعة لا تنطفئ وقضى عمره يعمل في حقول لم تمنحه يوما أجرا يكفي ليضمن له شيخوخة هادئة 
كان أبناؤه يعيشون حياتهم الخاصة بعضهم كان يزور عندما يسمح الوقت ومعظمهم لم يأت إلا نادرا 
لكنني بقيت في الليالي الطويلة وفي الحمى

وفي الدموع وفي الحكايات الهادئة من شبابه وفي الأيام التي كانت قوته فيها تذبل مثل ضوء الشمس عند الغروب 
وفي ليلة من شدة الإرهاق همست بصوت متعب 
بيل أنا مجرد زوجة ابنك أحيانا أشعر أن هذا الحمل أثقل مما أستطيع 
قبض على يدي وابتسم ابتسامة رقيقة 
وقال أعرف ولهذا أنا ممتن لو لم تكوني هنا لما كنت ما زلت على قيد الحياة 
لم تغادر تلك الكلمات ذاكرتي يوما وظلت كأنها نقشت في مكان خفي من روحي تذكرني دائما بما لا ينسى ومنذ اللحظة التي سمعتها فيها صنعت عهدا صامتا بيني وبين نفسي عهدا أن أجعل الأيام المتبقية في عمره أكثر لينا وأكثر رحمة وأكثر امتلاء بالسكينة التي يستحقها كنت أراقب برد الشتاء حين يشتد فأهرع إلى خزانة الملابس لأشتري له بطانيات أثخن أغطي بها جسده الهزيل كأنني أحمي العالم كله لا جسدا واحدا وكنت أعد
له الحساء كلما انتابته آلام المعدة التي أنهكته وأجلس بقربه حتى يهدأ وحين تتورم قدماه من ثقل السنوات أجثو أمامه وأدلكهما ببطء ورفق كما لو كنت ألمس قدمي أبي نفسه لا قدمي رجل جمعتني به صداقة الأيام لا صلة الدم 
لم يخطر ببالي يوما أن أسأل عما قد يتركه لي بعد رحيله ولا فكرت لحظة في أي إرث قد يكون خلفه لم أعتن به طمعا ولم يخطر لي يوما أن أعد ما أقدمه له دينا أنتظر سداده قلبي كان قد قبله أبا ثانيا منذ زمن قبل أن أدرك حتى متى بدأ ذلك الشعور العميق يتكون في داخلي 
ومع مرور الأعوام كان بيل يذبل شيئا فشيئا كغصن أعياه الليل البارد وعندما بلغ الخامسة والثمانين جلس الطبيب أمامنا بملامح حاول أن يجعلها مطمئنة لكنه لم يفلح قال بصوت خفيض إن قلبه لم يعد قادرا على مواصلة الرحلة طويلا ومنذ ذلك اليوم تغير شيء في البيت تغيرت أنفاسه
نفسها وصار يطلب مني في لياليه الأخيرة أن أجلس بقربه لأستمع إلى قصص شبابه قصص صيد على ضفاف النهر وذكريات حب ضاع لسبب لم يبح به تماما وأحاديث عن سنوات ربى فيها أبناءه وحده بسند لم يكن سوى يديه المكدودتين وإرادة لا تعرف الانطفاء 
وكان يكرر دائما كأنما يوصيني بما يحمله قلبه 
أن أمنيته الكبرى أن يعيش أبناؤه وأحفاده بكرامة ولو في أبسط صورها 
ثم جاء ذلك العصر العصر الذي سيبقى محفورا في ذاكرتي ما حييت 
كان يتنفس بصعوبة صدره يهبط ويعلو ببطء يبعث الخوف في القلب مد يده المرتجفة أسفل وسادته وأخرج وسادة أخرى قديمة وممزقة الأطراف لا تشبه شيئا سوى بقايا عمر انطفأت ألوانه ناولني إياها وهو يهمس بجملة قصيرة تقطعها أنفاسه 
هذه لألثيا
أخذت الوسادة من يده دون أن أفهم ما يعنيه وبعد دقائق قليلة فقط انطفأ كل شيء داخله
وأغلق عينيه إلى الأبد
تم نسخ الرابط