لم يكن لوالد زوجي أيّ تقاعدٍ أو معاش اعتنيتُ به بقلبي كاملًا طوال اثنتي عشرة سنة
في تلك الليلة ليلة العزاء الأولى ازدحم البيت بالمعزين واختلطت الوجوه المتعبة بالأصوات الخافتة التي تكرر كلمات المواساة نفسها حتى فقدت معناها شعرت أنني أختنق أن جدران البيت تضيق بي وبثقل الخسارة لذلك انسحبت إلى الشرفة حيث الهواء أصدق من الكلام وحيث يمكنني أن أكون وحدي مع حزني ذلك الحزن الذي لم أجد له وصفا ولا لغة
جلست على الكرسي البلاستيكي الذي اعتدت أن أسهر عليه في الليالي التي كنت أرافقه فيها أمسكت الوسادة القديمة كانت خفيفة بشكل جعلني أظن أنها لا تحمل شيئا سوى القطن المهترئ لكن مجرد لمسها أيقظ داخلي شعورا غريبا شبيها بمزيج من الخوف والحنين
تحسست أطرافها الممزقة كمن يلمس أثر حياة كاملة اختصرت في قطعة قماش ثم فتحتها ببطء كأنني أخشى أن تمس أصابعي سرا لا يخصني
لكن ما سقط منها جعل قلبي يتوقف لثوان
لم تكن مجرد وسادة جوفاء كما ظننت
تساقطت منها قطع صغيرة من الذهب لمعانها خافت لكنه يشبه ضوءا
حدقت فيها طويلا كأنني لا أملك القدرة على التصديق
ثم انهرت
بكيت بكاء لم أعرفه من قبل بكاء بلا صوت لكنه كان أثقل من كل ما سبق لم يكن بكاء فقد فقط بل بكاء مفاجأة وبكاء حب لم أعرف حجمه الحقيقي إلا في تلك اللحظة وبكاء راحة تشبه شعورا يقول لك إن ما فعلته طوال تلك السنوات لم يذهب سدى
لقد ادخر بيل كل مبلغ كان يصل إليه من أبنائه مهما صغر وجمع ما استطاع من بيع قطعة أرض صغيرة لم يكن أحد يعلم أنه لا يزال يملكها وبرغم حاجته وبرغم بساطة حياته لم ينفق على نفسه شيئا منها
لقد خبأ كل شيء داخل وسادة بالية
خبأ ماله
وتعبه
وسنوات صمته الطويل
ثم ترك كل ذلك لي دون أن يلمح بكلمة واحدة
فتحت الدفاتر وفي آخر صفحة وجدت ورقة صغيرة مطوية بعناية مكتوبة بخطه المرتجف
ألثيا أنت أطيب زوجة ابن
لا أملك ثروة أخلفها لك لكنني آمل أن يساعدك هذا قليلا
لا تلومي إخوة زوجك فهذا قراري وحدي
أتركه لك لأنك اعتنيت بي اثنتي عشرة سنة دون أن تشتكي ودون أن تنتظري شيئا
قرأت كلماته أكثر من مرة وكل مرة كانت تسقط في داخلي ثقلا جديدا
شعرت بأن الامتنان يغمرني كأن شخصا كان يربت على قلبي من الداخل
لم أبك على الذهب ولا على المال
كنت أبكي على إنسان رأى في ما لم يره أحد وأعطاني تقديرا لم أكن أظنه موجودا أبكي على حب أبوي عاش في كل فعل صغير منه ثم اختبأ في وسادة قديمة حتى يحين الوقت الذي أفهم فيه قيمته
وفي اليوم التالي يوم دفنه عاد الناس يتهامسون
وماذا كان يملك إرنستو ليتركه لا معاش ولا مال ولا شيء
استمعت إليهم وابتسمت
ابتسامة لم تحمل سخرية بل معرفة
فلم يكن أحد منهم يعرف الحقيقة
أنه ترك ما لا يتركه كثير من الأغنياء
ترك الامتنان
وترك ثقته
وترك
ومنذ ذلك اليوم كلما نظرت إلى تلك الوسادة البالية شعرت بدفء يغمرني كأن يدا خفية تمتد من عالم آخر لتربت على قلبي أصبحت بالنسبة لي صندوق ذاكرة نافذة صغيرة على زمن كان فيه بيننا يبتسم ابتسامته الهادئة التي كانت تكفي لتهدئة تعب يوم كامل
أتذكر ملامحه صوته صبره قصصه التي كانت تحمل حكمة رجل عاش كثيرا وخسر كثيرا لكنه لم يفقد قدرته على الحب لم يكن مجرد والد زوجي كان أبي الثاني الظل الطيب في البيت وصوت الحكمة الذي لا يعلو لكنه لا يختفي
واليوم كلما مررت بالزاوية
التي كان سريره فيها أتباطأ دون أن أشعر كأن المكان لا يزال يحمل شيئا من روحه أحاول أن أعيش بطريقة تشرف ذكراه في كل صبر وكل كلمة طيبة وكل امتنان أقدمه للحياة
وهكذا أدركت حقيقة لا تتغير
إن الذين نحبهم بصدق لا يرحلون
إنهم يتحولون إلى نور خافت يرافقنا وقوة غير مرئية ترفعنا وذكرى تلمع حتى في أحلك الأيام
وهو ما زال
عبر وسادة ممزقة حملت أكثر مما توقعت يوما