لَم تَصْمُد أيّ مُربّية مع توائمِ المليونير الثلاثة حتى جاءت خادمةٌ سمراء وفعلت ما ظنّه الجميع مستحيلًا.
المحتويات
من صدق وخوف وتردد ثم قالت بهدوء بارد كحد السكين
الأسف لا يعيد الثقة يا سيد موريسون.
خفض رأسه قليلا وتسللت نبرة خافتة إلى صوته حين قال
أعلم
ثم رفع بصره إليها وتابع
لكن السيدة تشن أخبرتني بكل شيء عن ديفيد حين اختنق عن الليالي التي لم تنامي فيها عن كل ما فعلته لأجلهم دون أن تطلبي شيئا.
ارتفع حاجبها كما لو أنها تسمع مبالغة لا تصدق
كنت أقوم بعملي.
هز رأسه بنبرة حاسمة أقرب إلى الإقرار منه إلى الجدل
لا لم تكوني تقومين بعمل فحسب. كنت تفعلين ما لم أفلحه أنا. كنت ترينهم أطفالا بينما لم أر أنا سوى مشاكل.
تقدم خطوة فتصلبت كتفاها على الفور وكأن بينهما مسافة يجب أن تبقى واضحة.
قال بصوت خافت لا يخلو من الانكسار
أعطيتهم شيئا لم أستطع أنا أن أمنحهم إياه
نظرت إليه نظرة فيها شيء من التحدي
وماذا أعطيتهم برأيك
قال بعد تنهيدة عميقة
الأمل الأمل بأن أحدا في هذا العالم لن يرحل عنهم.
ساد صمت طويل صمت يجر خلفه تاريخا من الخذلان والخوف. وخلاله انسحب المتطوعان بصمت وكأنهما يفهمان أن ما بين هذين الاثنين أكبر من وجودهما.
قال جيمس أخيرا وصوته يحمل رجاء أكثر مما يحمل أمرا
الأولاد يحتاجونك ولم آت لأطلب الصفح بل لأطلب عودتك.
رفعت ذقنها بصوت يرفض الانحناء
كخادمة
قال بثبات لا يتزحزح
كأسرة.
توقفت الكلمة في الهواء ثقيلة مخيفة صادقة.
تراجعت خطوة وقالت
أنت لا تعرفني.
قال كأنه يقدم وعدا
فدعيني أعرفك من فضلك.
في تلك اللحظة كانت أجراس الكنيسة المجاورة تقرع ورائحة الخبز الساخن تمتزج بنسيم المساء وعينا مارثا تغمضان للحظة قصيرة كأنها ترفع صلاة لا تريد لأحد أن يسمعها.
وعادت بعد ثلاثة أيام.
ليس من باب الخدمة بل من الباب الأمامي.
كان جيمس واقفا مع الأولاد الثلاثة في بهو المنزل. وما إن وقعت أعينهم عليها حتى انطلقوا نحوها كالسهم
مارثا! مارثا!
سقطت على ركبتيها وفتحت ذراعيها لاستقبالهم. عناقهم كان عناق نجاة عناقا يعلو فيه لهاث الصدور الصغيرة.
قال دانيال وهو يلتف حول عنقها
اشتقت إليك!
فقالت بصوت مرتجف
وأنا أكثر بكثير.
وحين نهضت لتواجه جيمس عاد ذلك القناع الصارم إلى وجهها كأن عاطفتها تخصهم هم فقط.
قالت ببرود
علينا أن نتحدث.
دخلت مكتبه وجلست في مواجهته لا كموظفة بل كند كامل ثم أخرجت ورقة مطوية وضعتها أمامه.
قالت
هذه شروطي.
قال بدون تردد دون حتى أن يعرف ما فيها
موافق.
فتحت الورقة وقرأت
لست خادمة. أنا مختصة رعاية أطفال.
لي الكلمة الأولى والأخيرة في كل ما يخص صحتهم جداولهم وعلاجهم.
تحضر أنت العلاج الأسري مرة أسبوعيا دون نقاش.
راتبي خمسة وسبعون ألفا مع كافة المزايا.
إن صرخت في وجهي مرة أخرى سأرحل دون عودة.
رفع جيمس نظره إليها وقال بصدق لم يعرفه من قبل
أوافق على كل شيء.
لكنها أضافت بندا سادسا أعلى من كل البنود السابقة
أن تكون حاضرا ليس بجسدك فقط بل بقلبك وروحك.
أطفالك لا يحتاجون رجلا يوقع الشيكات ويغلق بابه بل أبا.
تردد صوته حين قال
لا أعلم إن كنت أعرف كيف أكون ذلك الأب.
قالت بلهجة قوية
سنتعلم معا.
مدت يدها فمد يده وصافحها.
وبدأت الرحلة.
تغير البيت في الأسابيع التالية كما لو أن حياة كاملة أعيد ترتيبها
مارثا توقظ الأولاد برفق لا بضجيج منبه.
الفطور لم يعد صواني متفرقة بل طاولة يجتمعون حولها.
جيمس يطفئ هاتفه.
لا بريد إلكتروني.
حديث وضحكات وأسئلة صغيرة تصنع ذاكرة جديدة.
علمتهم مارثا أمرا بسيطا وعميقا
أن يضع الطفل اسما لمشاعره.
أن يقول
أنا خائف.
أنا حزين.
أنا غاضب.
ثم تضيف دائما
كل هذا مسموح. الممنوع الوحيد أن تحملوه وحدكم.
بدأ جيمس يعود مبكرا. يجلس معهم على العشاء يقرأ لهم قبل النوم لا أداء لواجب بل رغبة صادقة في أن يصبح جزءا منهم.
وفي إحدى
فاضت عينا مارثا بالدموع.
وسأل دزموند من زاوية الغرفة وقالت
سأبقى ما دمتم تحتاجونني.
لكن تلك الليلة حين نام الجميع جلست وحدها ممسكة بصورة صغيرة لطفلة بضفيرتين ليلي.
قالت هامسة
أتمنى أن تكوني فخورة بي يا صغيرتي
في الصباح التالي عثر جيمس على ظرف منزلق تحت الباب.
فتحه فتجمدت الدماء في عروقه.
طلب حضانة طارئ
مقدم من ريتشارد وكاثرين ويتمور.
اتهامات قاسية
إهمال.
عدم استقرار.
أربع وعشرون مربية في ستة أشهر.
ثم الضربة القاتلة
مارثا ديفيز لها تاريخ موثق في وفاة طفل تحت إشرافها.
ارتجفت يداه.
لقد استخدموا موت ليلي كسلاح.
حين دخلت مارثا ورأت الورقة عم الصمت.
قرأت ولم يرتعش لها جفن. عاد القناع القديم إلى ملامحها.
قالت بهدوء يشبه حد السكين
سيستخدمونني ضدك.
قال جيمس بانفعال
إنهم يكذبون!
قالت وهي تضع الورقة جانبا كأنها تتعامل مع شيء ملوث
لا يكذبون إنهم يستغلون الحقيقة.
ثم نظرت إليه مباشرة
كيف تظن أن هذا سيبدو أمام قاض امرأة سوداء بلا لقب فقدت طفلتها ورجل ثري طردها ثم أعادها براتب مضاعف
قال بلهجة يائسة
لا يهم لن أدعهم يأخذونكم. ولن أدعك ترحلين.
ذهبت إلى النافذة وقالت بصوت هادئ كمن يجلد نفسه
الأفضل أن أغادر حتى لا أكون نقطة ضعفك.
اقترب خطوة وقال بقوة لم يعرفها في نفسه
لا. لن يرحل أحد هذه المرة.
قالت
سيرسمونني كخطر على الأولاد كمن تجاوزت حدودها
قال بصلابة
فليحاولوا. سأقول لهم الحقيقة أنت من أنقذ أولادي وأنت من أنقذتني.
نظرت إليه طويلا فرأت ما لم تتوقعه
الخوف.
همست
سيسألون عن ليلي
قال
أعلم وسأواجه كل ذلك معك.
امتلأت عيناها دموعا
كنت وحدي خمس سنوات
قال
ولست وحدك بعد اليوم.
في تلك الليلة جلست على أرض غرفتها تعانق صورة
لا أعرف إن كنت قوية بما يكفي لكن هؤلاء الأولاد يحتاجونني ربما كان وجودي هنا لحكمة لا أفهمها بعد.
وفي الأسفل جثا جيمس عند سريره لأول مرة منذ زمن وقال بصوت مكسور
رجاء لا تدعني أخسرهم ليس مرة أخرى.
استعان جيمس بأفضل محامي أسرة في بوسطن روبرت تشن.
قال بعد قراءة الملف
هذه ليست قضية حضانة هذه محاولة سحق.
التفت إلى مارثا
سيسألونك عن ابنتك عن يوم وفاتها هل أنت مستعدة
قالت بثبات يخفي ارتجاف قلبها
لا لكنني سأفعل.
تلك الليلة وجدها جيمس على الشرفة تحدق في المدينة كمن يبحث عن إجابة.
جلست طويلا قبل أن تقول
اسمها ليلي كانت في الرابعة. لسعة نحلة حساسية وصلت سيارة الإسعاف لكن الوقت كان قد انتهى.
أغمضت عينيها وأتمت
أنا ممرضة وكان يفترض أن أعرف. لكنني لم أعرف.
قال بهدوء
لم يكن ذلك ذنبك.
هزت رأسها
الذنب يسكنني تركت كل شيء بعدها. رخصتي مهنتي الحياة.
ثم التفتت إليه
وسيقولون في المحكمة إنني أحاول استبدالها وإنني التعلق بالأولاد لأنني فقدت طفلي.
قال جيمس بقوة لا تليق برجل محطم
أنت لست مكسورة.
قالت وهي تمنح ابتسامتها تلك الانحناءة المرتجفة التي تخالطها مرارة لا تخفى
بل أنا كذلك وأنت كذلك وأولادك كذلك. نحن يا جيمس قطع متصدعة نحاول رغم التمزق أن نتماسك كي لا نتناثر.
شعر جيمس بشيء داخله ينشق كأن صدرا ظل مغلقا لسنوات قد فتح أخيرا بوجع صادق لا يحتمل. قال بصوت مشروخ
ربما ربما هذا بالضبط ما يجعلنا صالحين لبعضنا. فالعائلة ليست مجموعة أشخاص كاملين بل نفوس مكسورة تتشبث ببعضها لأنها ترفض أن يتخلى أحدها عن الآخر.
أغمضت عينيها ببطء وتحولت دموعها إلى خيوط صامتة تشق الوجنتين. همست كأنها تسلم خوفها للهواء
أنا خائفة
قال وأنا أيضا
مالت برأسها على كتفه وكأنها أخيرا سمحت لروحها بالاستراحة. وللمرة الأولى منذ موت كاثرين لم
في الطابق العلوي كان دانيال واقفا خلف الستائر يراقبهما بصمت ناضج يفوق عمره. ابتسم ابتسامة صغيرة كأن قلبه هدأ ثم عاد
متابعة القراءة