ملياردير يتنكر في هيئة متسوّل فقير أمام الكنيسة

لمحة نيوز

ملياردير يتنكر في هيئة متسوّل فقير أمام الكنيسة ليبحث عن
في قلب تلك المدينة الواسعة التي كانت تلمع ليلاً بأضواء المتاجر وتضج نهاراً بأصوات السيارات، عاش أندرو جونسون، ذلك الشاب الذي كثيراً ما تناقل الناس اسمه بين إعجاب وفضول. لم يكن مجرد شاب وسيم أو وريث عائلة ثرية، بل كان نموذجاً نادراً يجمع في شخصه جمال الخَلق وحسن الخُلق معاً. فقد ورث عن أبيه، السيّد بنجامين جونسون، ثروة كبيرة وخمسة إخوة وأختاً واحدة، لكنه ورث قبل ذلك شيئاً لا يُشترى: قلباً طاهراً تربّى على قيم راسخة.
كان السيّد جونسون ينحدر من أسرة استطاعت طوال ثلاثة أجيال أن تُحافظ على مجدها، إلا أنّه كان يؤمن أنّ الثروة بلا أخلاق كبيت بلا دعائم. لذلك ربّى أبناءه على التواضع والإيمان والرحمة، وأوصاهم دائماً بأن يمدّوا أيديهم للناس، خصوصاً أولئك الذين لا يملكون إلا القليل. لم يكن يطلب منهم أن يكونوا أثرياء فقط، بل أن يكونوا صالحين قبل كل شيء.
أما أندرو، فقد حمل تلك القيم معه كأنها جزء من تكوينه. ورغم وسامته التي كانت تشغل حديث الشابات في المدينة، إلا أنّه لم يكن ذلك الشاب العابث الذي تطارده القلوب. كان مؤمناً جاداً، متأملاً في معنى الحياة، رافضاً لكل مظهر زائف. وكانت النساء، حين يقتربن منه، يرين فيه مالاً اسمه "جونـسون"، لا قلباً اسمه "أندرو". ولذلك ظلّ وحيداً رغم كثرة المعجبات، يبحث عن امرأة ترى جوهره لا مظاهره.
وذات مساء، ناداه والده بصوت حنون قائلاً:
"يا بني، إن قلبي فخور بك. وقد وعدتني أن تبدأ بالبحث

عن زوجة بعد انتهائك من ذلك المشروع في الخارج."
ضحك أندرو ضحكة خفيفة، كأنها تحمل شيئاً من المرارة، ثم قال:
"أبي، أنت تعلم أنّني لم أوفّق مع النساء. إنهن لا يرَين فيَّ إلا المال والاسم. وحين أحاول معرفة ما في قلوبهن، لا أجد شيئاً. خرجت مرة مع امرأة قالت لي إنها لا تؤمن بالله، وأن الزواج فخّ كبير! كيف أتزوج قلباً لا يسكنه نور؟"
ربت والده على كتفه وابتسم قائلاً:
"لا تيأس يا بني. الكتاب يقول: من يجد زوجة يجد خيرا."
أومأ أندرو موافقاً، ووعد بأن يبدأ بحثه عند عودته من السفر.
وبعد أسابيع عاد إلى البلاد، يحمل نجاحه بين يديه كأنه أكمل فصلاً جديداً من حياته. وبما أنّ عائلة جونسون اعتادت أن تشكر الله على نعمه، أصرّ الأب أن يذهبوا جميعاً إلى الكنيسة صباح الأحد. وما إن دخلت الأسرة إلى القاعة الواسعة، حتى التفتت الأنظار نحوهم. البنات بأبهى الثياب، والأم بابتسامة رقيقة، وأندرو يقف بينهم كأنه لوحة مكتملة التفاصيل. ولم تمض دقائق حتى انتشرت الهمسات:
"سمعتُ أن أندرو عاد من السفر."
"يقال إنه يبحث عن زوجة."
"من المحظوظة يا ترى؟"
وفي الصف الأمامي، وقفت ريبيكا، قائدة فريق الترانيم في الكنيسة. كانت جميلة، لها حضور وأناقة وصوت يأسر السمع. لكن خلف ذلك الجمال كان يسكن غرور عميق، ونظرة متعالية على الناس. وما إن رأت أندرو حتى بدا كأنها غنّت لتلفت انتباهه لا لتسبّح الله، فأطلقت صوتها بأعلى ما تستطيع لتسرق الأبصار.
خلال العظة، وقف أندرو ليقدّم شهادته عن نجاحه في المشروع الخارجي. تحدث بإيمان
صادق، ثم أعلن عن تبرع كبير لمشاريع الكنيسة. عندها اتسعت عينا ريبيكا وهمست لصديقتها بجشع واضح:
"أرأيتِ؟ ثروة عظيمة… سأحصل عليه مهما كان. ومن ينافسني في الجمال؟"
وفي مساء ذلك اليوم جلس أندرو مع أبيه، فقال السيّد جونسون ضاحكاً:
"ما رأيك بالفتيات اللواتي كن ينظرن إليك؟"
ضحك أندرو أيضاً وقال:
"أبي… كنا في الكنيسة! لا يمكنني التركيز على النساء هناك."
ومرت الأيام حتى جاء القس ويليامز لزيارة العائلة. حدثهم عن خدمة شكر خاصة ستقام الأحد المقبل، فوافق السيّد جونسون على الحضور.
وفي ذلك الصباح، وبينما كان أندرو يسير مع أبيه نحو الكنيسة، لمح امرأة تعبر الطريق ممسكة بيد طفل صغير. كانت خطواتها متعبة لكنها ثابتة، وملابسها بسيطة لكنها نظيفة، ويديها تحملان حقيبة قديمة وكيس خبز. ثم رأى شيخاً مسناً يكاد يسقط بحمله الثقيل، فسارعت تلك المرأة إليه تساعده دون تردد.
توقّف أندرو مشدوهاً، وقال مبتسماً:
"ما أجمل أن نرى من لا يزال يعطي رغم قلة ما يملك."
كانت تلك المرأة تُدعى فايث. امرأة عاملة، مضيفة في الكنيسة، وأماً لطفل صغير اسمه تومي. رغم حياتها الصعبة، كانت تحمل قلباً مؤمناً، لا تعرف الغرور ولا الجفاء، ولا تنظر إلى أحد باستعلاء.
دخل أندرو الكنيسة وهو ما يزال متأثراً باللحظة، بينما كانت ريبيكا تحاول لفت انتباهه دون جدوى.
وبعد انتهاء الخدمة، ركض طفل صغير نحو أندرو وهو يبكي قائلاً:
"سيدي! سقطت كرتي في البالوعة… هل تساعدني؟"
لم يتردد أندرو لحظة. خلع سترته، انحنى، ومدّ ذراعه ليستخرج الكرة.
وما إن نجح حتى أضاء وجه الطفل فرحاً.
وفي تلك اللحظة وصلت فايث. وما إن رأت المشهد حتى ابتسمت وقالت:
"شكراً لك، لقد أسعدته كثيراً."
دار بينهما حديث لطيف عن الإيمان والخدمة والرحمة. شعر أندرو بشيء مختلف، شيء لم يلمسه في قلبه منذ سنوات. صدق، نقاء، براءة… شيء لا تصنعه الثروة بل تصنعه الروح.
بعد أيام قابل أندرو ريبيكا صدفة في السوق. كانت ودودة على غير عادتها، ودعته إلى حفلة عيد ميلادها. قبل الدعوة احتراماً لكنه لم يشعر بارتياح.
وفي ليلة الحفلة، حضر وبقي قليلاً ثم غادر. وحين عاد سأله والده:
"هل وجدت زوجة؟"
تردد أندرو قليلاً ثم قال:
"لا أعلم يا أبي. المظاهر خداعة… لدي خطة. سأتنكر في هيئة متسول عند باب الكنيسة. أريد امرأة تعرف قيمة الرحمة حقيقة."
ضحك الأب وقال:
"افعل ما تراه صواباً."
في صباح الأحد التالي، بدأ أندرو بتنفيذ خطته التي ظنّ أنّها وحدها ستكشف له صدق القلوب. ارتدى ثياباً رثّة ممزقة، وغطّى وجهه بشيء من الغبار، ثم خرج مبكراً قبل أن يراه أحد. جلس عند باب الكنيسة متظاهراً بالبرد والجوع، بينما دخل ابن عمه ديفيد – الذي يشبهه كثيراً – ليأخذ مكانه داخل القاعة حتى لا تثير غيبته الشكوك.
وبينما كان أندرو يجلس متكئاً على الجدار الحجري البارد، بدأ الناس بالخروج بعد انتهاء الخدمة. اقترب من كل واحد منهم بصوت منكسر قائلاً:
"هل من مساعدة… ولو قليلة؟"
مرّ البعض بجانبه بسرعة، وآخرون تظاهروا بعدم رؤيته، لكن شيئاً في قلبه لم يتحرك إلا حين رأى ريبيكا تتجه نحوه، بثيابها الفاخرة
وعطرها الذي يملأ الممر. 

تم نسخ الرابط