ملياردير يتنكر في هيئة متسوّل فقير أمام الكنيسة

لمحة نيوز

رفع إليها يده المرتجفة قائلاً:
"سيدتي… أتجودين عليّ بشيء من الرحمة؟"
توقفت للحظة، فنظرت إليه من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه، كأنها تنظر إلى شيء أقل من أن يُعتبر إنساناً. رفعت حاجبها باستنكار وصاحت بحدة:
"إن كنت تستطيع الجلوس هنا والشحاذة، فبإمكانك العمل! انهض يا كسول، فهذه ليست مشكلة أحد غيرك!"
ثم أكملت طريقها وهي تضحك، متباهية أمام صديقتها بقسوة لم يتوقعها أحد.
شعر أندرو حينها بمرارة تصعد إلى صدره. لم يحزن على نفسه، بل على قلب امرأة تقف على المسرح لتغني عن الإيمان بينما لا تعرف معنى الإنسانية. بدا له أن الجمال الخارجي كثيراً ما يخفي حطاماً داخلياً. وازدادت قناعته أنّه إن لم يكن للقلب نور، فلن تُضيئه الألحان مهما كانت جميلة.
ظلّ جالساً حتى خفّ ازدحام الخارجين من الكنيسة. هدأت الأصوات وبقي المكان شبه خالٍ. وحين رفع رأسه رأى من بعيد تلك المرأة التي لم تغب عن ذهنه منذ لقائه الأول بها… فايث.
كانت تمشي في نهاية الطريق ممسكة بيد طفلها تومي. وعلى كتفها حقيبة قديمة، وفي يدها الأخرى كيس خبز صغير. خطواتها بطيئة لكنها ثابتة، كأنها اعتادت مواجهة قسوة الحياة دون أن تستسلم لها.
وما إن اقتربت حتى لمح تومي الرجل الجالس على الأرض. توقفت قدماه الصغيرتان فجأة، واتسعت عيناه بدهشة وشفقة صافية لا يملكها إلا الأطفال. شدّ على يد أمه وقال بلهفة خافتة:
"أمي…

هذا الرجل جائع. هل أستطيع إعطاءه بسكوتتي؟"
نظرت فايث إلى ابنها ورأت في عينيه تلك البراءة التي تُذكّر الإنسان بأن الخير فطرة قبل أن يكون تعلّماً. ابتسمت وربتت على رأسه وقالت:
"طبعا يا صغيري… العطاء لا يُقاس بالكثرة بل بالقلب."
انحنى تومي ومدّ يده نحو أندرو، ثم وضع البسكوتة الصغيرة في كفّه. شعر أندرو وقتها بشيء يهزّ قلبه هزّاً، كأنه يلمس نقاء لم يلمسه منذ زمن طويل. لم يستطع أن يخفي تأثره، فقال بصوت مبحوح:
"شكراً لك يا بُني."
ثم أخرجت فايث محفظتها الصغيرة البالية، بحثت فيها عن شيء، فأخرجت ورقة نقدية بسيطة ومدّتها إليه وهي تقول:
"لا أملك الكثير… لكن خذ هذا. لعلك تحتاجه."
تجمّد أندرو لثوانٍ كأنه أمام مشهد يفوق حدود التوقعات. امرأة فقيرة، تعبها ظاهر، ومع ذلك تمد يدها بالخير دون حساب. رفع رأسه وقال بصوت خافت يختلط بالشكر:
"بارككما الله."
غادرت فايث مع طفلها، بينما ظلّ أندرو يراقبهما حتى اختفيا، وقلبه يحمل دفئاً لم يشهده من أي امرأة أخرى.
وفي تلك الليلة عاد إلى المنزل وقد ثقل قلبه بالمشاعر. جلس أمام والده، ثم قال بنبرة صادقة لم يعهدها من نفسه:
"يا أبي… اليوم رأيت الحقيقة. ريبيكا جميلة الشكل والصوت… لكن قلبها مظلم لا يعرف الرحمة. أما فايث… فقلبها أنقى من كل الذهب الذي نملكه. هي تعطي من فقرها، وتحنو على الغرباء من غير تردد."
ابتسم الأب وقال:
"
كنت أعرف أنك ستعرف الطريق بنفسك."
لكن أندرو، رغم يقينه الداخلي، أراد أن يختبر صدق فايث أكثر. فقام باختبارين آخرين في الأيام التالية، وفي كل مرة كانت فايث تظهر أجمل مما توقع. كانت تُساعد امرأة عجوزاً في السوق، وتربت على طفل يبكي، وتبتسم رغم تعبها. كانت تشبه نوراً صغيراً يرفض أن ينطفئ مهما هبت عليه رياح الحياة.
في المقابل، كانت ريبيكا تزداد غروراً، لا ترى في الآخرين إلا درجات بين قيمة وعديمة قيمة، ولا تعرف معنى التواضع أو الكرم.
وذات صباح مشرق، نزل أندرو إلى المائدة وهو يحمل ابتسامة لم تفارق وجهه منذ الليلة السابقة. وما إن جلس حتى قال بصوت ثابت:
"لقد وجدت زوجتي يا أبي."
سادت لحظة دهشة جميلة، ثم تبعتها ابتسامات الفرح. قال الأب بحماس:
"ومتى نراها؟"
تنهد أندرو وقال:
"قريباً… لكنها لا تعرف هويتي بعد. رأيت قلبها فقط، وهذا يكفيني."
في اليوم التالي، ذهب أندرو إلى المتجر البسيط الذي تعمل فيه فايث. وما إن رأتْه حتى قالت:
"مرحبا بك… هل أستطيع مساعدتك؟"
لم تتعرف عليه، فقد كان اليوم بملابسه الأنيقة، لا بثياب المتسول. ابتسم وقال برفق:
"فايث… أنا الرجل الذي ساعدته عند باب الكنيسة."
اتسعت عيناها بذهول:
"أ… أنت؟ أنت المتسول؟"
أومأ ثم قصّ عليها القصة كاملة: تنكره، بحثه عن امرأة صادقة القلب، واختباره للجميع. كانت تستمع وقلبها يرتجف بين صدمة وخجل، لكنها
لم تستطع إنكار صدقه.
وفي تلك الليلة، بعد أن أوصلها إلى منزلها، طلب رقمها ثم دعاها إلى العشاء. لم يكن يرغب في إبهارها، بل أراد فقط أن تشعر بأنها تستحق أجمل ما في الحياة لأنها جميلة من الداخل قبل الخارج.
جلسا طويلاً يتحدثان. أخبرها عن حياته، وأخبرته عن تعبها، وكيف ربت طفلها تومي وحدها، وكيف قاومت العالم بإيمانها.
ثم مدّ يده إلى جيبه وأخرج صندوقاً صغيراً، فتحه فإذا بخاتم يلمع كأنه نجمة صغيرة. نظر في عينيها وقال:
"فايث… هل تقبلين الزواج بي؟"
وضعت يدها على فمها والدموع تنساب:
"أنا… لا أعلم ماذا أقول."
فأمسك يدها وقال برقة:
"قولي نعم… وأنا أعدك أن تومي سيكون ابني كما هو ابنك، وأن حياة مليئة بالحب والاحترام تنتظركما."
وبعد أشهر قليلة، امتلأت المدينة بالزينة، وأقيم زواج لم يشبه أي زواج آخر. امتلأت الصحف بعناوين صادمة:
"المتسول عند باب الكنيسة… كان ابن الملياردير بنجامين جونسون!"
وانهارت ريبيكا بالبكاء حين علمت الحقيقة، مدركة أن غرورها حرمها نعمة كانت ستغيّر حياتها.
أما فايث، فقد بدأت فصلاً جديداً من حياتها. تحسن والدها بفضل العلاج الذي تكفل به أندرو، والتحق تومي بمدرسة ممتازة، وأصبح لاعب كرة قدم واعداً. وبعد عام رزقا بطفلة جميلة ملأت البيت نوراً.
وهكذا تعلّم أهل المدينة درساً خالداً:
إن القلب، لا الثروة، هو الذي يكشف الإنسان. وأن الحب الحقيقي
يولد حيث توجد الرحمة… لا حيث يوجد البذخ.

تم نسخ الرابط