اخر جواب كاملة وحصري
لم تكن زيارتها للمقابر في ذلك الصباح بدافع الحنين وحده بل كانت محاولة مدروسة للتماسك.
العقيد داليا حسان كانت تسير بين القبور بنفس الانضباط الذي اعتادت عليه في ساحات التدريب وغرف العمليات. ظهرها مستقيم رأسها مرفوع وخطواتها محسوبة بدقة كأن الأرض تحت قدميها لا تستحق أن تخذلها الآن.
الهواء كان باردا لكن ملامحها لم ترتجف.
لم تكن امرأة تسمح للطقس ولا للحزن أن يراهما أحد.
صفوف القبور مصطفة في هدوء صارم رخام أبيض ورمادي أسماء محفورة بعناية وتواريخ تختصر أعمارا كاملة. المشهد كله كان يشبه طابورا عسكريا طويلا لكن بلا نداء بلا تحية وبلا أوامر.
وسط هذا النظام الصامت كان هناك شاهد واحد فقط يكسر تماسكها في كل مرة تقف أمامه.
الملازم أول ليلى داليا حسان
٢٤ عاما.
ابنتها الوحيدة.
حادث انقلاب عربة مدرعة أثناء مهمة تدريبية.
هكذا قيل.
هكذا كتب.
وهكذا أغلق الملف.
في المعسكر كانوا ينادونها داليا الصلبة.
أول امرأة تتولى قيادة وحدة إمداد ميداني بهذا الحجم.
صوتها لا يعلو لكنه لا يجادل.
قراراتها لا تشرح لكنها تنفذ.
أما هنا
فلا الرتبة تحمي ولا التاريخ العسكري يشفع.
هنا
هي أم فقط.
وأم مكسورة.
وصلت إلى الصف الخامس عشر الثالث من النهاية عند شجرة سدر عجوز يتساقط ورقها مبكرا كل عام كأنها تعرف الحزن قبل غيرها.
لكن شيئا ما أوقفها.
لم يكن القبر خاليا.
رجل بسيط كان راكعا عند الشاهد يرتدي بدلة عمل باهتة ملطخة ببقع قديمة لا تزول مهما غسلت. كتفاه منحنيتان وظهره يبدو وكأنه حمل سنوات أكثر مما ينبغي لرجل في عمره.
وبجواره
طفلة صغيرة لا تتجاوز السادسة تمسك بباقة ورد بري غير متناسقة سيقانها مكسورة وألوانها باهتة.
كانا يبكيان.
لا نشيج.
لا صوت.
بكاء ثقيل مكبوت كأنهما يخافان أن يزعجا الموتى.
توقفت داليا.
قلبها انقبض فجأة كأن أحدهم ضغط عليه بقبضة غير مرئية.
من هؤلاء
ولماذا هنا
تقدمت خطوة فصوت حذائها العسكري شق الصمت.
لو سمحت
قالتها بهدوء
ده قبر بنتي.
انتفض الرجل واقفا وكادت الطفلة أن تسقط لولا أنه أمسك بيدها بسرعة. ارتباك واضح ارتسم على وجهه.
آسف يا فندم والله
داليا رفعت يدها بإشارة تلقائية.
لأ.
ثم أضافت بعد لحظة
أنا ما قلتش تمشوا.
بس
نظرت لهما
عمري ما شوفتكم هنا قبل كده.
سكت الرجل قليلا وكأن السؤال أثقل مما يبدو.
إحنا
تنهد
إحنا بنجي هنا كل أسبوع.
كل أسبوع.
الكلمتان نزلتا على صدرها بثقل غير مفهوم.
ليه
سألتها بهدوء حاد.
تنفس الرجل بعمق.
اسمي فارس محمود.
عامل خدمات في المعسكر.
ودي بنتي ريم.
ريم تقدمت خطوة صغيرة وانحنت تعدل ورقة مطوية كانت موضوعة بعناية عند قاعدة الشاهد.
ثم رفعت رأسها وقالت بصوت خافت متكسر
آسفة يا طنط ليلى.
الجملة اخترقت داليا من الداخل.
آسفة على إيه يا حبيبتي
قالتها وهي تجثو على ركبتها دون أن تشعر.
فارس رد وصوته كان يرتجف
عشان
بلع ريقه
عشان بنتك أنقذت حياة بنتي.
تجمد كل شيء.
داليا لم تنطق.
لم تستطع.
ريم مدت إصبعها الصغير ولمست الاسم المحفور كما لو كانت تلمس شخصا حيا.
هي كانت طيبة أوي.
قالت ببساطة.
داليا شعرت بأن الأرض تميد تحتها لكنها تماسكت.
احكي.
قالتها لفارس
احكيلي كل حاجة.
وفارس وهو يشد يد ابنته أدرك أن هذا الصباح لن ينتهي كما بدأ
وأن قصة ليلى لم تكن مكتوبة كاملة في أي تقرير.
فارس سحب نفسا طويلا كأنه بيحاول يطلع حكاية دفنها جواه سنين.
الحكاية بدأت في ليلة عادية
كان في مخزن قديم جوه المعسكر مهجور من سنين لكن لسه فيه معدات تالفة.
حصل ماس كهربا والنار مسكت بسرعة.
داليا كانت سامعة لكن عقلها سبق الكلمات.
الصور بدأت تتكون لوحدها.
كنت شغال وردية متأخرة.
قال فارس
وماكانش عندي حد أسيب ريم معاه.
قعدتها في الممر وقلت لها ترسم وما تتحركش.
ريم نزلت بعينيها في الأرض.
بس صوت النار خوفني
قالتها بخجل
دخلت أدور على بابا.
صوت فارس اتكسر.
لما لفيت وما لقيتهاش
الدنيا اسودت في وشي.
جريت على المخزن حاولت أدخل بس النار كانت عالية والدخان خانق.
وقعت على الأرض وأنا حاسس إني خلاص خلاص خسرت كل حاجة.
داليا حست صدرها يضيق.
مشهد أب فقد طفلته كانت شايفاه قدامها.
وفجأة
رفع عينه وبصلها مباشرة
بنتك ظهرت.
القلب خبط بقوة.
الملازم أول ليلى.
كانت في الموقع وما استنتش
حد حاول يمنعها لكنها صرخت فيه طفلة جوه!
ريم قربت من القبر أكتر قعدت على ركبتها.
كانت ريحتها دخان