ولد ابن الملياردير أصم لا يسمع حتى اكتشف الخادمه سرا كشف كل شيء
ثماني سنوات كاملة كان الطفل يرفع يده إلى أذنه كأنه ينتظر معجزة لم تأت.
وكل طبيب زاره قال الجملة نفسها
لا يوجد شيء آخر يمكن فعله.
أنفق سيباستيان كالواي ملايين الدولارات وسافر عبر القارات ووقف بين يدي أشهر الأخصائيين في العالم لكنه لم يسمع يوما جوابا مختلفا. كانت جميع الفحوصات تثبت النتيجة ذاتها
فقدان سمع دائم لا عودة منه.
سيباستيان كان واحدا من أثرى رجال أمريكا يمتلك طائرات خاصة وقصورا مترامية وثروة لا يدرك حدودها سوى المحاسبين. ومع ذلك لم تستطع كل هذه القوة أن تمنحه شيئا واحدا
صوت ابنه.
كان لويسابنه الوحيدفي الثامنة من عمره ولم يسمع يوما نغمة ولا ضحكة ولا حتى اسمه.
والأسوأ من ذلك أن زوجة سيباستيان فقدها أثناء الولادة وبقي الابن آخر ما تبقى له منها.
بحث سيباستيان طويلا قاتلا ضد القدر لكن الحل لم يأت من مستشفى في سويسرا أو مختبر في طوكيو
بل جاء من امرأة متواضعة لم يتخيل أحد أن تحمل الإجابة.
لم تكن مارينا سوى خادمة جديدة في ذلك القصر المهيب فتاة في السابعة والعشرين بسيطة الملامح خفيفة الظل تحمل على كتفيها أعباء تفوق سنها بكثير. لم تملك شهادة طبية ولا درست يوما في معاهد التمريض لكنها امتلكت شيئا أعظم قلبا يرى قبل العين ويشعر قبل المنطق ويقرأ ما خفي عن المختصين وأجهزة الفحص.
عملت ليلا ونهارا ليس طمعا في رزق وفير بل من أجل دار المسنين التي تقيم فيها جدتها العجوز امرأة كانت بالنسبة
وفي أسبوعها الأول داخل القصر لمحت شيئا غريبا في قناة أذن الطفل لوسيان ظلا داكنا يتوارى عميقا في الداخل خافتا إلى درجة أن العين تكاد تخطئه. شيء لم تلتقطه أجهزة الفحص الحديثة ربما لأنها رأته امتدادا طبيعيا لجدار القناة. لم تكن متأكدة ولم تجرؤ على الكلام لكنها أحست بأن ذلك الشيء ليس طبيعيا.
كانت تعرف أن الأطباء أخبروا والده مرارا أن الطفل يعاني فقدانا سمعيا غير قابل للعلاج وأن الأمر ملازم له منذ الولادة ولا أمل في تغييره. كانت تلك هي الرواية الرسمية التي سار عليها الجميع وأصبحت جزءا من أسطورة الحزن التي تغلف القصر.
مرت الأيام ومارينا تراقب الطفل في صمت.
كان لوسيان يشيد عوالمه الصغيرة من القطارات الخشبية والطائرات الورقية والألغاز المتشابكة وكأنه يصنع عالما بديلا خاليا من الأصوات التي لم يعرفها يوما. لم يكن صمته مخيفا كما قالت الشائعات كان صمتا ثقيلا محملا بالحاجة إلى شيء لم يستطع أحد منحه إياه.
الخدم كانوا يتجنبونه ليس خوفا منه بل خوفا من مشهد الوحدة التي تحيط بالطفل أينما ذهب. قالوا إن صمته مرتبط بوفاة والدته وإن روحه انغلقت يوم فقدها. لكن مارينا بعين لا تشبه أعين الآخرين رأت غير ذلك رأت طفلا لا يحتاج لحماية
وتعلمت لغته.
نعم صنعت له لغة لا يعرفها سواهما.
لمستاه على صدره تعني الفرح.
إشارته إلى النافذة تعني الفضول.
ضمه ليديه معا تعني الأمان.
هكذا شيئا فشيئا نشأت بينهما لغة كاملة تنبض إحساسا وتفهما لغة تكسر صمتا دام سنوات.
وفي أحد الأيام وبينما كانت ترتب ألعابه ارتجفت يد لوسيان فجأة ورفع قبضته الصغيرة إلى أذنه بحدة ثم بدأت دموعه تنهمر بلا صوت كأن الألم انفجر داخله دفعة واحدة. هرعت مارينا نحوه انحنت أمامه تحدثت بعينيها ويديها بالكلمات التي لم يسمعها لكنه فهمها
لن أؤذيك أثق بي يا صغيري.
تردد الطفل قليلا ثم سمح لها أن تقترب وفي عينيه توسل طفولي ممزوج بخوف متراكم.
وحين فحصت أذنه رأته بوضوح لم تره من قبل
كتلة سوداء متصلبة لامعة بخفوت وكأنها جزء من ظلمة قديمة التصقت به. لم يكن انسدادا عاديا بل شيء كثيف شيطان صغير من الصمت حجب العالم عنه ثماني سنوات كاملة.
ارتجف قلبها.
هل تتجرأ
هي ليست طبيبة وخطأ واحد قد يؤذي الطفل أو يعرضها للطرد وربما للمساءلة.
لكن تركه هكذا تركه غارقا في صمته بينما الحل أمام عينيها
كان ذلك بالنسبة إليها خيانة لا تغتفر.
عادت ذاكرتها إلى قريبها جوليان الذي عاش ست سنوات صامتا قبل أن يكتشف الأطباء أن الأمر كله مجرد انسداد بسيط. تذكرت كذلك أخاها الذي فقدته في الرابعة عشرة وتذكرت وعدا قطعته
ترددت طويلا تفكر بين خوفها وشجاعتها بين واجبها ووظيفتها حتى جاء الليل حاسما بلا رحمة.
اتخذت قرارا سيغير حياتها وحياة الطفل قرارا لم تكن تعرف إن كان سينتهي بها إلى الطرد أو إلى المعجزة.
عقمت ملقطا صغيرا من حقيبة الإسعافات الأولية تنفست بعمق حتى هدأ ارتجاف أصابعها ثم رفعت رأسها إلى السماء ودعت الله أن يلطف بها أن يمسك يدها فلا تخطئ وأن يرشد قلبها إن كانت تخطو نحو الصواب.
ومع الفجر جاء الألم.
كان لوسيان جالسا على المقعد الحجري في الحديقة جسده صغير يرتعش ويده تضغط على أذنه بإلحاح. اقتربت منه مارينا شرحت له بالإشارات أنها تريد مساعدته. كانت الدموع تتجمع على حافة جفنيه لكنه هز رأسه بالموافقة.
مدت يدها إلى أذنه كانت الكتلة لزجة ملتفة متشبثة بعمق تحتاج جرأة وإصرارا وقلبا ثابتا. شعرت بنبض قلبها في صدغيها كأن الدم يريد أن يقفز خارج جسدها. لكنها تابعت ببطء بثبات إلى أن انفصلت الكتلة فجأة وسقطت في كفها.
وفي اللحظة نفسها حدثت المعجزة.
شهق الطفل.
نعم سمعت مارينا الشهقة.
شهقة حقيقية مسموعة كأن الهواء يدخل صدره لأول مرة منذ ولد.
رفع لوسيان يديه إلى أذنيه وكأنهما أصبحتا بابين فتحا فجأة على عالم لم يعرفه يوما.
اتسعت عيناه كأنه يشهد خلق الكون أمامه وهو يحدث للمرة الأولى.
بدأت الأصوات تتدفق نحوه زقزقة الطيور حفيف الأشجار