ولد ابن الملياردير أصم لا يسمع حتى اكتشف الخادمه سرا كشف كل شيء
الكبيرة في القاعة الرئيسية وهي تضرب لحظة كاملة من حياة جديدة.
قال بصوت ضعيف متردد كأن الكلمات متغطرة بالصدأ
ساعة
كلمة واحدة لكنها كانت معجزة على شكل صوت.
انفجرت الدموع من عيني مارينا فور سماعها تلك الكلمة الواحدة
كأن جدارا من الخوف كان يسند قلبها طيلة ثماني سنوات من عمر الطفل قد انشق فجأة وانهار.
مدت ذراعيها نحوه ضمته بقوة وشعرت برعشة جسده الصغيرة تهتز بين يديها لا من الألم بل من فيضان حياة جديدة أفرغت بداخله دفعة واحدة بلا تمهيد.
همست في أذنه بصوت مرتجف وإن كانت تعرف أنه قد يسمعها الآن لأول مرة
نعم هذه الساعة يا صغيري. هذه التي كنت تراها دون أن تسمعها.
كان الطفل يتنفس بسرعة يفتح عينيه على اتساعهما كمن يلتقط آلاف الأشياء في اللحظة ذاتها.
كأن السنوات الصامتة كلها تريد أن تتكلم أن تترجم أن تطلب تفسيرا.
وفي تلك اللحظة تحديدا عند ذروة المعجزة عاد سيباستيان.
فتح باب القاعة الواسع فاندفعت موجة صوت خافتة نحو الداخل لكن ما التقطه أولا لم يكن وقع خطواته ولا صرير الباب بل صوت طفله.
صوت لم يسمعه قط منذ لحظة الولادة.
وقف في مكانه كأن الأرض فقدت الجاذبية حوله وامتلأت عيناه برعب يشبه اليقين اليقين بأن شيئا مستحيلا قد حدث.
ثم جاء الصوت مرة أخرى أوضح أدفأ أشد قربا
أبي
ضاعت أنفاسه تماما.
تقدم خطوة ثم تعثرت الثانية
أسند ظهره إلى الجدار الحجري العتيق وبدت عليه دهشة تشبه ألما قديما ينتزع من جذوره.
لم يسمع تلك الكلمة طوال ثماني سنوات لم يسمع طفلا يناديه لم يسمع نبرة واحدة من لوسيان وفجأة جاءت الكلمة إليه صافية كالماء حادة كالسيف دافئة كالحياة.
ركض الحرس عندما سمعوا الصوت لكنهم حين رأوا المشهد توقفوا جميعا كأنهم يخشون إفساد لحظة خرجت من الزمن ذاته.
أما لوسيان فكان يبحث بعينيه عن مصدر صوته يمد يديه كمن يطلب حضنا لم يعرفه إلا بالصمت.
ومع ذلك بدلا من أن يركض سيباستيان نحوه التفت أولا إلى مارينا.
رآها واقفة قرب الطفل تمسك بقطعة سوداء صغيرة في يدها المرتجفة الكتلة التي أخرجتها من أذنه.
كانت قطعة مظلمة متكلسة تحمل ثقل السنوات التي ضاعت.
شيء انفجر داخل قلبه
غضب وذهول ومرارة وندم ومزيجا لا يسمى.
غضب من الأطباء الذين تجاهلوا ملاحظة صغيرة كانت قادرة على تغيير عمر بأكمله غضب من نفسه لأنه صدقهم وحتى من القدر لأنه اختار أن يختبرهما بهذه القسوة.
كان يريد أن يسألها
كيف تجرأت
أين كنت
كيف لم نر ذلك جميعا
كيف يكتب الأطباء تشخيصا أبديا بينما الحقيقة كانت في قناة أذن طفل
لكن قبل أن ينطق بكلمة بكى لوسيان.
نعم بكى بصوت مسموع.
كان البكاء خافتا أولا ثم تحول إلى شهقات صغيرة ثم إلى بكاء حقيقي كأن الطفل يبكي
كان الصوت حادا ناعما هشا لكنه كان صوتا.
ارتج البيت من وقع ذلك الصوت وارتجف قلب سيباستيان ثم ركض نحو ابنه ورفعه بذراعين مرتعشتين.
احتضنه كأنه يخشى أن يتلاشى بين يديه.
كان يبكي مثل طفل أو ربما كمن لم يسمح له بالبكاء طوال حياته.
ردد لوسيان كلمة أبي مرة بعد مرة يخطئ نطقها ويلفظها بارتباك لكنه يتمسك بها كأنها حبل النجاة الوحيد بينهما.
وكان سيباستيان يجيب بالبكاء فقط لأن الكلمات خانته حين احتاجها.
وفي المستشفى جاءت الحقيقة عارية كالسيف.
أكد الأطباء بوجوه مرتبكة لا تعرف أين تخفي خجلها أن الانسداد كان واضحا قبل ثلاث سنوات.
لم يتعاملوا معه.
كتبوه في ملاحظة جانبية تجاور عشرات الأوراق غير المقروءة.
ثم تجاهلوه.
كانوا يطاردون الربح يمددون الفحوصات يعيدون التحاليل يكتبون وصفات لا حاجة إليها بينما كانت المشكلة الأساسية قابلة للحل خلال دقائق.
اختناق ألم عنيف اجتاح صدر سيباستيان وهو يسمع ذلك.
سنوات من حياة طفله سرقت منه ظلما.
سنوات من العزلة من الصمت من البرودة من البكاء المكتوم كانت قابلة للعلاج لو تجرأ طبيب واحد على الانتباه.
خرج من غرفة الأطباء يحمل التقرير في يد ويجفف دموعه بالأخرى.
كانت خطواته ثقيلة كمن يحمل على كتفيه تاريخا كاملا يريد أن يعتذر عنه.
لكن كل شيء تغير حين اقترب من غرفة
سمع ضحكته.
ضحكة حقيقية صافية كاملة.
ضحكة طفل يسمع صوته للمرة الأولى ويضحك لأنه مذهول من أن الوجود يصدر أصواتا.
دخل الغرفة ببطء.
وجد ابنه يجلس وسط سرير أبيض يرفع الألعاب ثم يرميها فقط ليختبر الصوت الناتج عنها. كان يضحك يصرخ يصفق يجرب كل كلمة جديدة كأنها كنز.
ومارينا
كانت تجلس إلى جواره عيناها متورمتان من البكاء ويدها على صدرها كأنها ما زالت تحاول استيعاب ما فعلته.
كانت خائفة من أن يحاسبها سيباستيان لكنها كانت مطمئنة لأنها أنقذت روحا صغيرة.
وقف الأب ينظر إليهما طويلا نظرة لا تشبه غضبا ولا اتهاما.
كانت نظرة رجل سقط من فوق جبل من الألم ووجد أخيرا من يمد له يدا.
اقترب ووضع يده على كتف مارينا.
لم يقل شيئا.
لم يجد ما يقوله.
لكن النظرة في عينيه كانت رسالة كاملة
أنت فعلت ما لم تستطع أموالي ولا أطبائي فعله.
أنت أعدت الحياة إلى ابني وإلي.
عاد الصوت إلى عالم لوسيان نعم
لكن شيئا آخر عاد أيضا
عاد الأمل.
عاد الدفء.
عاد الشعور بأن البيت الذي ظن الجميع أنه مات بالصمت عاد ينبض من جديد.
ومن تلك اللحظة بدأت قصة جديدة لا تكتب بالدموع وحدها ولا بالمعجزة وحدها بل بقلب امرأة رأت ما لا يراه الآخرون وبطفل ولد مرة ثانية وبأب اكتشف أن المعجزات تأتي أحيانا من أيدي أبسط الناس.
قصة يسمع فيها لوسيان.
ويرى فيها سيباستيان
وتجد فيها مارينا مكانا في حياة لم تتخيل يوما أنها ستصنع معجزتها.