جنازة توقفت فجأة ما اكتشفه الزوج غيّر كل شيء!
جنازة توقفت فجأة ما اكتشفه الزوج غير كل شيء!
كان الهواء داخل محرقة تشابل هيل مشبعا بما يفوق رائحة الزنابق والصنوبر. كان ثقلا خفيا يهبط على الصدور مزيجا من الدموع المكبوتة والوداع المبتور كأن المكان نفسه يشارك الحاضرين انكسارهم. في وسط القاعة وقف مارك لويس شامخا في الظاهر متهالكا في الحقيقة أشبه بظل رجل كان يوما يعرف معنى الطمأنينة. عيناه لا تفارقان التابوت المصنوع من خشب الماهوغني مصقولا بلمعة هادئة تخفي داخله العاصفة الأكبر في حياته جثمان زوجته إميلي.
كانت إميلي في حياة الأمس القريب كتلة نور لا تطفأ. امرأة لا تحتاج إلى كلمات كثيرة كي تبعث الحياة في المكان يكفي ضحكتها الواسعة حتى يلين أشد القلوب صلابة. لكنها اليوم ترقد في صمت بارد صمت لا يناسب امرأة كانت تدرك أسرار البهجة.
ولم يكن الحزن وحده ما يعصف بمارك بل الغياب الفادح لابنته الصغيرة غريس التي لم تتجاوز بعد شهرها السابع داخل رحم أمها. كانت الحادثة قاسية سريعة غير رحيمة طريق مطري زلق انحراف مفاجئ اصطدام حاد وانطفأت كلتا الحياتين معا في لحظة واحدة لا يمكن استعادتها.
اقترب مدير الجنازة روبرت رجل ذو وقار دائم ونبرة صوت تجيد تقديم العزاء ببرود مهني ووضع يده على كتف مارك قائلا
السيد لويس لقد حان الوقت للبدء.
لكن مارك بقي ثابتا في مكانه كجسد بلا روح. حاول تحريك قدميه لكنهما سمرتا في الأرض. رأى موظفي المحرقة
كانت هناك فكرة واحدة تطرق رأسه بإلحاح كأنها صوت داخلي يرفض الموت
أحتاج إلى نظرة أخيرة فقط نظرة واحدة.
هو يعرف أنه ودعها في المستشفى وقبل جبينها البارد لكن قلبه لم يقل كلمته الأخيرة. لم يستطع أن يستوعب أن هذا الوجه الذي اعتاد أن يوقظه كل صباح لن يفتح عينيه مرة أخرى. كان بحاجة إلى أن يحفظ آخر ملامحها كما يحفظ الإنسان نبضته الأخيرة.
استجمع شتات صوته وقال متلعثما
انتظروا أرجوكم. أريد فتح الغطاء للحظة واحدة فقط.
تردد روبرت فقد كان الطلب خروجا واضحا عن الإجراءات الصارمة. لكن شيئا في عيني مارك ذلك الانكسار العاري من أي تحفظ جعله يومئ لطاقمه بالامتثال. تقدم الموظفون وحركوا المزلاج. دوى صرير الخشب في القاعة صدى ثقيلا كأنه إعلان لجرح جديد سيفتح.
اقترب مارك خطوة واحدة.
قلبه يخفق بعنف كطائر مذعور ينتفخ صدره بحثا عن مخرج.
رآها.
كانت إميلي ترتدي فستانها الأزرق الحريري الذي كانت تحبه والذي قال لها يوما إنها تبدو فيه كسماء صافية. يداها مطويتان فوق بطنها المنتفخ قليلا بطن كان يحمل وعدا صغيرا بحياة أخرى لم تكتمل.
غاص مارك في يأس حاد كأنه سقط في بئر بلا قاع. مد يده المرتعشة يقصد خدها الذي عرف ملمسه آلاف المرات
لكن يده توقفت قبل
لأن شيئا حدث.
شيئا لم يكن من الممكن أن يحدث.
اهتز القماش الحريري المغطي لبطنها حركة خافتة لكنها حقيقية.
تقلص صغير كأنه نبضة كأنه مناداة.
جمد مارك في مكانه.
لم يتنفس.
لم يرمش.
ثم تكررت الحركة. أطول أوضح أكثر إصرارا.
صرخ مارك صرخة كمن أعيد من موت مفاجئ
توقفوا! أوقفوا كل شيء فورا!
اندفع نحو التابوت فارشا ذراعيه فوقه كمن يحمي كنزا من لهب يوشك أن يشتعل.
لا تلمسوها! لا تحركوها! أرجوكم!
ركض روبرت نحوه مضطربا
السيد لويس عليك أن تهدأ هذا غالبا
لا! رأيت الحركة! إميلي وغريس لا تزالان
لكن الكلمات لم تعد تخرج.
كان يبكي يهتز يلمس بطن زوجته بيأس يائس والحركة لا تتوقف.
تدفقت الهمسات ثم تحولت إلى صرخات.
سمع تفسيرات متناقضة تتطاير في الهواء
تقلصات بعد الوفاة غازات داخلية هلوسة صدمة نفسية
لكن مارك كان يعرف.
يعرف كما يعرف الإنسان صوته وسط ضوضاء الكون.
هذه لم تكن حركة جثة بل حركة حياة.
بعد لحظات من الاتصالات المرتبكة دوى صوت صفارات الإسعاف في الخارج.
دخلت الشرطة تبعها فريق طبي من مستشفى سانت جودز وجوههم ممتقعة بين الشك والذهول.
ووسط محرقة الموت وقف الأطباء حول تابوت مفتوح مشهد ينافي المنطق يعلق الأنفاس بين الخوف والرجاء.
فحص الأطباء إميلي.
لا نبض.
لا نفس.
لا نشاط دماغي.
موت سريري كامل.
لكن الطبيبة المسؤولة الدكتورة هايز ثبتت جهازا لقياس نبض الجنين على
ساد صمت كثيف
حتى صدر الصوت.
نبض.
ثم نبض آخر.
ثم إيقاع حياة ضعيفة لكنه عنيد قلب صغير يخفق داخل جسد بارد.
همست الطبيبة بحدة
إنها حية. الجنين على قيد الحياة.
ثم رفعت رأسها ونطقت بجملة قلبت العالم بأكمله
نقل فوري. نحتاج إلى عملية قيصرية عاجلة الآن.
تجمد الزمن في تلك اللحظة كأن المحرقة بكل جدرانها وأضوائها الخافتة استحالت فجأة إلى فضاء صامت لا يتحرك فيه شيء سوى نظرات البشر. ثم انطلقت الحركة دفعة واحدة كأن العالم استيقظ من صدمة جماعية.
تحول التابوت ذلك الصندوق الذي خطت عليه نهاية إلى حمالة إنقاذ. انحنت الأيدي المرتجفة ترفع جسد إميلي برفق يشبه التقديس والموظفون الذين اعتادوا التعامل مع الموت كطقس روتيني صاروا يتحركون كمن يحمل كمينا للحياة نفسها.
اندفع مارك خلفهم خطواته غير مستقيمة كأنه يحاول اللحاق بروحه التي سبقت جسده إلى الخارج.
كانت صفارات الإسعاف تشق سكون الشارع وهدير المحرك يعلن أن معركة جديدة بدأت معركة ضد الوقت ضد البرد الذي تسرب إلى روح إميلي وضد النهاية التي ظن الجميع أنها اكتملت.
داخل السيارة انحنت الطبيبة هايز فوق بطن إميلي وضعت جهاز المراقبة وتابعت الإشارة الخضراء التي بدأت تقفز بنبض سريع هش لكنه حي.
قالت للمسعفين بنبرة لا تقبل النقاش
أقصى سرعة. أي دقيقة ضائعة قد تكلف الجنين حياتها.
ظل مارك متمسكا بحافة المقاعد وجهه شاحب كمن