بعد الستين كاملة
دمر الإعصار بيتي واضطررت أن أذهب إلى منزل ابني ومعي حقيبتي لكنه قال لي
ماما إحنا محتاجين خصوصية آسف زوجتي مش قادرة تستقبلك.
لم أجادله ولم أرفع صوتي. فقط اتصلت بهدوء بحبيب شبابي الذي صار مليونيرا عصاميا ولم يكن أحد يعلم أن رقمه ما زال محفوظا عندي إلى أن توقف بسيارته الفاخرة أمام بيت ابني.
اسمي واندا عمري 67 سنة وكنت أظن أني رأيت كل ما يمكن للحياة أن تفعله بي. قضيت عقودا في ذلك الجزء من أوكلاهوما الذي يسمونه ممر الأعاصير حيث تدق صفارات الإنذار بينما تواصل أنت تحريك الشاي كأن الأمر طبيعي.
لكن في ذلك الثلاثاء اسودت السماء وقال المذيع المحلي اختبئوا حالا.
بعد عشر دقائق كنت في القبو أحتضن سترة زوجي الراحل بينما سقف بيتي ينتزع كأنه ورق.
وحين خرجت كانت السماء هي باب منزلي وأربعون سنة من الذكريات مبعثرة على العشب.
مع حلول الليل كانت الكاميرات قد رحلت وشاحنات الإغاثة اتجهت للعاصفة التالية وبقيت مجرد امرأة بشعر رمادي وثلاثة أكياس ملابس محترقة وصندوق بلاستيك
لم أجد أمامي إلا خيارا واحدا قدت السيارة إلى مدينة تولسا.
كان شارع ابني يشبه صور الكتالوجات أشجار مصطفة أعلام على الشرفات منازل متشابهة وحدائق مثالية.
وقفت في ممر سيارته رتبت شعري في المرآة وأخبرت نفسي أنها أسابيع قليلة لحين أن أجد مكانا صغيرا أعيش فيه.
فتح الباب الأحمر قبل أن أطرق.
وللحظة قصيرة رأيت طفلي الصغير الذي كان يركض إلى مع كل عاصفة.
ثم نظر إلى حقيبتي وإلى أكياس القمامة عند قدمي واشتدت كتفاه.
قال ببرود
ماما إحنا محتاجين خصوصية وصاحبتي مش عايزاكي تقعدي هنا.
لا تدخلي يا أمي ولا هنحلها.
بس باب بيت جميل يغلق في وجهي وأنا آخر ما تبقى من عائلته.
لم أصرخ ولم أتوسل.
حملت أكياسي الثلاثة ونزلت الدرجات الإسمنتية جلست في سيارتي القديمة وفتحت اسما لم أنطق به منذ خمسين عاما
الفتى الذي كان يأتي لاصطحابي بسيارته الشيفي القديمة والذي أقسم أنه سيبني مستقبلا كبيرا.
واليوم هو رجل أعمال يدير مشاريع في عدة ولايات.
رد على المكالمة من ثاني رنة.
بعد ثلاثين
خرج منها ماض مرتديا بدلة أنيقة ينظر مباشرة إلى باب بيت ابني.
والجملة الأولى التي قالها في ذلك الشارع الهادئ كانت الشرارة التي قلبت قصتنا رأسا على عقب.
إنها مجرد بداية.
وقف دريك هاربر شاب عمري ورجل أعمال ناجح الآن في منتصف ممر البيت كأنه مشهد من فيلم قديم كنت أحفظه عن ظهر قلب.
لكن الوقت لم يترك تأثيره عليه كما فعل معي شعره الفضي القصير بدا أنيقا وكتفاه العريضان ما زالتا كما كانتا حين كان يرفعني وأنا أضحك عند نهر البلدة.
لكن الشيء الوحيد الذي لم يتغير كانت تلك الطريقة التي ينظر بها إلي نظرة فيها دفء وثقة وكأن خمسين عاما ما كانتش إلا غمضة عين.
اقترب من باب بيت ابني رفع يده وطرق طرقا خفيفا كأنه يعطي فرصة أخيرة للرحمة.
فتح ابني الباب وللحظة رأيته يتراجع خطوة للخلف ليس خوفا بل صدمة.
فالسيارة البدلة الحضور كل ده كان أكبر بكتير من اللي يعرفه عن حبيب أمي القديم.
قال له دريك بهدوء
اسمحلي بس والدتك مش هتقعد في عربية قدام بيت ابنها. ده مش أسلوب ولا احترام.
ابني عض على شفته وبصلها بنظرة سريعة كأنه بيقول ماما هي اللي اختارت تمشي.
بس الحقيقة لأ أنا اللي اترميت برا.
رد ابني بنبرة دفاعية
الموضوع مش كده بس إحنا مشغولين والبيت صغير وزوجتي
قاطعه دريك وهو يشير بإيده
متقلقش الموضوع مش هياخد وقت. أنا جايلها.
ولما قال الكلمة دي جايلها حسيت إن صدري بيتنفس لأول مرة من يوم العاصفة.
اقترب مني وأنا واقفة جنب سيارتي المتهالكة.
وفجأة حسيت إني صغيرة خجولة مرتبكة زي أيام المراهقة.
قال بابتسامة سريعة
ركبي. البيت اللي يرفض صاحبته مش بيستاهل وقفتك قدامه.
ركبت.
وأول ما قفل الباب حسيت إن الدنيا كلها بتتغير.
الطريق
قالي وهو بيقود
واندا مش لازم ترجعي عند ابنك. انسي الموضوع. عندي بيت كبير وغرف كتير. تعالي اقعدي عندي لحد ما نصلح اللي اتكسر.
ضحكت بخفوت
اللي اتكسر يا دريك ده بيتي كله راح.
هز رأسه
كنتي قوية زمان ولسه. والصراحة كان لازم أرجع
سكت.
ولأول