ماضي يُنسي وجراح تلتئم ليلى وعادل كاملة
المحتويات
كنت
أيوة كنت.
طب إيه اللي جرى
جلس أمامها وضع يديه على فخذيه وأخذ نفسا طويلا كمن يتهيأ للغوص في شيء غرق فيه من قبل.
قال بصوت منخفض
من حوالي تلات سنين كنت في قمة كل حاجة. فلوس صفقات علاقات والناس كلها عايزة ترضيني. اسمي كان يتقال في أي مكتب أو معرض والكل يقوم واقف.
توقف فجأة كأن ذكرى حادة لسعت روحه
اكتشفت إن اللي حوالي لا كانوا صحابي ولا كانوا رجال. كانوا بيضحكوا في وشي وورايا بيحفروا قبري بإيديهم.
سألته ليلى وهي تحاول أن تحافظ على هدوئها
يعني إيه اللي حصل بالظبط
شركائي اللي كنت معتبرهم إخوات. واحد لعب في الأوراق وخلاني أوقع على عقود مزورة واحد تاني شهد ضدي والتالت سلم أسرار الشغل لمنافسين. خسرت صفقات بالملايين والدنيا قلبت علي في أسبوع واحد. الديون غرقتني والبنوك بدأت تجرسني.
أطلق ضحكة قصيرة بلا روح
وساعتها كلهم اختفوا. اللي كنت بسلفه من غير ما يطلب عمل نفسه مش شايفني. واللي كنت بعتبره جزء من عيلتي باع أول ما شم ريحة الغرق.
هزت ليلى رأسها ببطء
يعني إنت خسرت كل حاجة
خسرت اللي كانوا حوالي لكن الفلوس لا. سددت ديوني وبعت اللي ينفع يتباع واحتفظت بحبة فلوس استثمرتهم بأسماء ناس جديرة بالثقة. اللي فضل يكفيني بس من غير ضوضاء. قررت أختفي من عالم الرفاهية الكذاب وأعيش بعيد عن العيون.
نظرت إليه بقلق
طب ليه ما قلتليش
ابتسم ابتسامة موجوعة
علشان لو قولت عمري ما هعرف إنت شايفاني ليا أنا ولا لفلوسي اللي كانت.
سكت لحظة ثم قال وهو يشيح بعينيه
وبالمناسبة جوزك الله يرحمه كان شغال زمان في واحدة من شركاتي.
شهقت
حسام!
أيوة. كان راجل جدع وشاطر
قالت بتردد
يعني إنت اتقدمتلي علشان تشفق عليا
هز رأسه ببطء
لا. يمكن في الأول كنت حاسس إني مدين لحسام. بس لما شوفتك كل حاجة اتغيرت. يوم رحت بيتكم بحجة شغل شوفتك وإنتي بتخدمي الست الكبيرة قصدي زوجة أبوك وبتتحملي كلامها الجارح علشان ابنك. يومها قلت الست دي ربنا حاطط جواها قوة مش طبيعية. حسيت إني قدام حد يستاهل أبدأ معاه من جديد.
سكتت ليلى طويلا كأن الكلمات ثقيلة لا تجد مكانا تستقر فيه داخل صدرها. امتزج في قلبها الامتنان بالارتباك والاحترام بالخوف من الطريق القادم.
قالت بصوت خافت
أنا مش قادرة أرتب كلامي.
ولا مطلوب. خدي وقتك. بس اعرفي أنا جنبك. ومش هتخلى عنك ولا عن ياسر.
منذ تلك الليلة تغير شيء عميق داخل ليلى. لم يعد عادل الرجل الغامض البسيط الذي يعيش في بيت متواضع بل أصبح رجلا اختار أن يخفي قوته ورجلا يستطيع أن يعود للقمة في أي وقت لكنه فضل طريقا آخر.
ومع ذلك لم يتغير شيء في معاملته معها. بقي يحترم حدودها يساعدها في كل ما يثقل عليها يضحك مع ياسر يحمل الطفل على كتفيه حتى يغرق الصغير في الضحك ثم يناديه بصوت بريء
بابا بابا!
وكان عادل رغم كل شيء يبتسم كل مرة يسمع فيها الكلمة كأنها ترد إليه جزءا من حياة ظن أنه فقدها إلى الأبد.
في ذلك الصباح الهادئ دوى رنين هاتف عادل المحمول ذلك الجهاز الذي يكاد
قال بصوت مقتضب
حاضر هاجي بكرة المكتب.
أنهى المكالمة فرفعت ليلى رأسها نحوه وقد اعتراها قلق لم تستطع إخفاءه.
مكتب مش كنت سايب الشغل كله
تنفس طويلا وكأنه يعيد ترتيب شجاعته القديمة.
زمان كنت بتهرب من المواجهة بس الظاهر إني مش هعرف أهرب على طول.
حصل إيه
المحامي اللي كنت سلمه شوية أوراق اكتشف إن في تزوير في عقود قديمة تخصني. يعني لسه في حد مستغل اسمي وماضي عشان يسرق أكتر. لازم أرجع وأقف قدامهم.
سكت قليلا ثم نظرت عيناه إلى ليلى بنبرة مختلفة
تحبي تيجي معايا بكرة
اتسعت عيناها بدهشة خفيفة.
أجي لمكتبك القديم
مش هيبقى قديم هيبقى بداية جديدة.
كانت تتردد كأنها تخشى الباب الذي سيفتح. ثم تمتمت
ماشي هاجي.
مع أول ضوء في اليوم التالي كان عادل قد استيقظ قبل الجميع. وقف أمام المرآة يرتدي بدلة داكنة أنيقة قميص أبيض ناصع وربطة عنق بسيطة. لم تكن الملابس هي ما لفت نظر ليلى حين رأته بل الوقفة العيون الهيبة التي عادت لتستوطن ملامحه.
ابتسم وهو يصلح ياقة القميص
شكلي غريب كده
ارتبكت وكأنها ترى جزءا من تاريخه لأول مرة.
لأ بس كأنك حد تاني.
لأ أنا اللي كنت مستخبي عنك.
ارتدت عباءتها المرتبة ولفت حجابها بعناية ثم حملت ياسر بينما حمل هو أوراقه. وعندما خرجا إلى الطريق شعرت ليلى بأن الهواء المحيط بعادل تغير وكأن المدينة تعرفه أكثر منها.
كان المارة يلتفتون نحوه وبعضهم يتهلل وجهه وهو يقترب
أستاذ عادل! فينك من زمان
نورت المدينة
كان يكتفي بابتسامة قصيرة ثم يواصل طريقه دون رغبة في استعادة أي مجد قديم.
عند مدخل المدينة ظهر المبنى الضخم الذي رأت اسمه مئات المرات دون أن تتوقع يوما أنها ستدخله برفقة صاحبه
شركة النجار للمقاولات والتجارة.
همست بلا شعور
ده اسمك!
أيوة وجيت أرجعه لمكانه.
ما إن دخلا حتى وقف الحارس فورا
صباح الخير يا أستاذ عادل.
توقفت الحركة داخل البهو الكبير وتشتتت نظرات الموظفين بين دهشة وخوف وفضول.
هو رجع
أيوة أهو.
رافقه موظف الاستقبال إلى مكتب واسع كان ذات يوم مملكته. خلف المكتب جلس رجل ممتلئ في منتصف الأربعينيات له نظرة لا تخلو من التحدي. قبل أن يدخل عادل أشار لليلى أن تبقى مع ياسر لكنه ترك لها الخيار. فضلت البقاء لكنها اقتربت من الباب بما يكفي لتسمع ما استطاعت.
رفع الرجل صوته مرحبا بنبرة تخفي ارتباكا واضحا
أهلا شرفتنا يا أستاذ عادل.
رد عادل ببرود لا يشبه صوته المعتاد
شكلي ما شرفتكمش قوي وإلا ما كنتش مسحتوا اسمي من على الباب.
ضحك الرجل ضحكة قصيرة متصنعة
لا يا فندم ده كان تطوير للعلامة التجارية.
حدق فيه عادل نظرة جعلت الابتسامة تسقط من وجهه
تطوير ولا سرقة
تهاوى الرجل قليلا في مقعده. عندها وضع عادل ملفا على الطاولة بصوت ارتطم كصفعة.
النسخ دي من العقود اللي اتزورت. عقود بيع لأصول كانت باسم الشركة اتعملت من ورا ضهري. ولسه مكمل تخريب لحد النهارده.
تلعثم الرجل
م مين قال كده
المحامي اللي كنت مفوضه. والتقارير موجودة والشهود موجودين. أنا سكت كتير وده كان أكبر غلط.
قفز الرجل واقفا
إنت ماعدتش ليك أي حاجة هنا! بعت الأسهم ومضيت تنازلات!
اقترب منه عادل خطوة واحدة فقط لكنها كانت كافية لتجعل الرجل يعود للخلف
صح بعت أسهمي. لكن
متابعة القراءة