يا سيد هذا الصبي الذي تبحث عنه منذ عام كامل
المحتويات
«يا سيّد… هذا الصبيّ الذي تبحث عنه منذ عامٍ كامل… ينام في غرفتنا كل ليلة.»
سقطت الجملة على قلب هِرنان كصاعقة خرساء لا صوت لها، لكنها اخترقت صدره كما تخترق الشروخُ جدارًا هشًّا فينهار دفعة واحدة. شعر للحظة بأن الهواء من حوله صار أثقل من قدرته على التنفّس، وكأن تلك الكلمات الصغيرة نبشت في داخله عمقًا كان يظنه ميتًا منذ اللحظة التي اختفى فيها ابنه.
كان هِرنان، في ظاهر حياته، الرجل الذي لا يلين.
ذلك النوع الذي تصنع منه المجلات الاقتصادية أسطورة، فتُطلق عليه الألقاب المبهرة: ملك الاستثمارات، صائد الفرص، الرجل الذي لا يسقط.
تصفّق له الحشود
لكن كل بريقه لم يكن يومًا سوى قشرة… طبقة لامعة تخفي تحتها شيئًا مكسورًا، شيئًا لا يصلحه مال، ولا تُرمّمه سلطة، ولا تداويه المجاملة.
ذلك الشيء كان اسمه: لورينزو.
ابنه الوحيد.
حبيب قلبه.
ونقطة الضعف التي لم يعرف أحدٌ عنها شيئًا… حتى ضاع.
اختفى الطفل قبل عامٍ كامل.
اختفى بلا رسالة، بلا تهديد، بلا طلب فدية، بلا أثرٍ يقود إلى بابٍ أو نافذة أو حتى خطوة صغيرة في الطين.
كان يلعب قرب الأرجوحة الحمراء في الحديقة، تلك الأرجوحة التي
كان يضحك، ويركض، ويمسك الحبل بيديه الصغيرتين… ثم اختفى.
اختفى كما يذوب الضوء من آخر شمعة في ليلة باردة.
حوّل هِرنان المدينة إلى خلايا بحث:
شرطة، محققون، مكافآت، كاميرات، بلاغات، ظهور تلفزيوني، رجاءات لا تنتهي.
كان يقف أمام العدسات كل ليلة ويقول بصوتٍ مرتعش: «أرجوكم… فقط أخبروني إن كان بخير.»
لكنّ العالم يملّ الحزن الطويل.
وللناس همومهم الخاصة.
والقصص البعيدة تنطفئ أسرع مما يتخيّل أصحابها.
تخلّى الجميع عن الأمل… إلا هو.
وفي صباحٍ باهتٍ بلون الرماد، كان هِرنان يقف على ناصية شارع ضيّق، يعلّق ملصقًا
الصورة الصغيرة لابنه تبتسم، كأنها لا تعرف أن العالم تغيّر بعد غيابها.
وتحتها الكلمات التي صار يرددها كدعاءٍ مفجوع:
«مفقود… أي معلومة تُرجى المساعدة.»
كان يلصق الورقة بيدٍ مرتجفة، لكن الشريط التصق بأصابعه، وتمزّق طرف الملصق، وكأن الورقة نفسها تعبت من تكرار الآلم.
همس للصورة بصوتٍ متهدّج:
«لا بدّ أن أحدًا رآك يا بني… لا بدّ.»
هيّأ نفسه لالتقاط أنفاسه المبعثرة، ولملمة صبره الذي صار هشًّا كقشرة جليد، عندما اخترق سكون الشارع صوت طفلة.
صوت رقيق… بسيط… لكنه حمل الحقيقة كالسكين:
«يا سيّد… الولد دا
تجمّد الدم في عروقه.
متابعة القراءة