يا سيد هذا الصبي الذي تبحث عنه منذ عام كامل
التفت إليها ببطء، كأن خيطًا من الخوف يجرّ رأسه من الخلف.
كانت طفلة حافية القدمين، بثوبٍ باهت اللون، لكن عينيها الواسعتين حملتا صدقًا لا يُكذّب.
قال بصوت خرج منه كأنه صوت رجل آخر:
«ماذا… قلتِ؟»
أشارت الصغيرة إلى الصورة على العمود:
«الولد دا… عايش معانا. أنا وماما.»
شعر أن الأرض تحت قدميه تتحرك.
وكأن عامًا كاملًا من الصبر والدموع والمكابرة
جثا على ركبتيه أمامها، ورفع الورقة أمام عينيها، وسأل بصوت دامع مرتبك:
«أأنتِ متأكدة؟ هذا الطفل… هذا بالذات؟»
قربت وجهها من الصورة، تأمّلت ملامحها للحظة، ثم هزّت رأسها بثقة طفولية لا تعرف التردّد:
«أيوه. هو. بس مش بيتكلم كتير. بيرسم… طول اليوم. وبالليل… بيعيّط. وأوقات… بينادي.»
ارتجف قلبه:
«بينادي على مين؟»
قالتها
«على باباه.»
كادت روحه تخرج من جسده.
تهاوت عليه الذكريات كأمواج غضبى: ضحكة لورينزو، خطواته، طريقة إمساكه بقميص أبيه حين يخاف… وصوته الصغير وهو يقول بابا.
قبل أن ينطق سؤالًا آخر… اقتربت منه الطفلة خطوة.
رفعت عينيها إليه بجدية أكبر مما يناسب سنّها.
ثم قالت:
«بس ماما قالت إن محدّش يدّي خبر… ولو قلنا لحدّ؟ هي تزعل… قوي.»
لم يفهم.
نطق
«ولماذا… لماذا لا تريد أمك أن يعرف أحد؟»
قربت الطفلة فمها من أذنه، وكأنها تخشى أن يسمعها الهواء، ثم قالت الجملة التي شقّت حياته نصفين:
«قالتلي… ما تقوليش إن الطفل دا مش ابنها… وإنه جه عندنا في ليلة ما حدّش لازم يعرف عنها حاجة.»
في تلك اللحظة…
لم يعد العالم كما كان.
ولا هِرنان كما عرف نفسه.
ولا الحقيقة كما ظنّ أنها ستكون.. التالي
https://pub153.