طفلة ابهرت الشيخ العربي والوفد المرافق له
تجمّدَ القاعةُ بأكملها عندما دوّت صوتُ الشيخ بالعربية. لم يستطع أحد الرد. لم يستطع أحد… باستثناء ابنة حارس البناء، وهي طفلة لا تتجاوز العاشرة من عمرها، كانت تُعتبر غير مرئية بالنسبة للجميع.
في المركزِ الثقافيّ المرابطيّ، كان الرخام يسطع تحت الأضواء كأن الأرض مصقولة بأنفاس الزمن نفسه، وكانت الملابسُ الأنيقة تعبرُ المكان دون أن تمنح الأرضَ نظرةً واحدة. وسط هذا الازدحام الهادئ، كانت إيلا تجلس على كرسيّ صغير ملاصق لممرّ الخدمة، تحمل كتابًا أكبر من حجم ذراعيها، يُثقل ركبتَيها لكنه لا يثقل روحها. وعلى بُعد خطوات، كانت والدتها سميرة تمرّر الممسحة على الأرض بانحناءة متعبة، ويدين محمرّتين من الماء البارد والموادّ الحارقة، بينما العيون تمرّ عليها مرورًا أشدّ قسوة من الإهمال: مرورًا يعتبرها جزءًا من الجدار، أو ظلًا لا يُلتفت إليه.
قال أحد الموظفين ساخرًا، بصوتٍ لم يُخفضه احترامًا:
– «على الأقل ليست لدينا عاملة مثلها هنا! هل تتخيّل؟»
وأشار بذقنه نحو سميرة وكأنه يشير إلى بقعة.
انقبضت أصابع إيلا الصغير ة فوق الكتاب حدّ الألم، لكنها لم ترفع رأسها.
كانت تعرف مكانها في عيونهم… ولكنها لم تكن تعرف المكان نفسه داخل نفسها.
فعالمها الحقيقي كان يتكوّن من الحروف: عربية، يونانية، تركية،
وفجأة، انفتحت البواباتُ الرئيسية بصوتٍ يشبه ارتطام موجٍ كبير بالحجر.
دخل وفدٌ من الرجال ذوي الملابس الداكنة، تلتفّ حولهم رائحةُ بخور وخشبٍ قديم، ورائحةُ مسافاتٍ طويلة قُطعت عبر الصحارى والجبال. تحدّثوا بالعربية، لكن لهجاتٍ يمنية ومغربية وعُمانية امتزجت فيها بإيقاعاتٍ ثقيلة. وكانت الكلماتُ، بالنسبة لإيلا، موسيقى مألوفة.
أدرمية.
تحرّكت شفاهها بلا صوت، تكرّر الكلمات كما لو أنّها تُعيد عزف لحنٍ قديم.
وتوقّف أحدُ الرجال، وهو مسنّ ذو لحية بيضاء كثيفة، أمام لوحةٍ جدارية منقوشة بحروف أدرمية قديمة. بقي يتأمّلها طويلًا، متجهمًا، ثم أعاد المحاولة مرّةً بعد مرّة، لكن الحروف بقيت عصيّة عليه.
من بعيد، كانت إيلا تراقب صراعه… ذلك الصراع الذي تعرفه جيدًا: لحظةُ الوقوف أمام بابٍ مغلق تعرف بداخلك أنّه لك، لكنك لا تملك المفتاح.
ثم نهضت.
وكأن شيئًا ممّا سمعته من اللغات لسنوات قد دفعها من الداخل.
سارت نحو الرجل بخطوات صغيرة، والعالم خلفها يبتلع أنفاسه، والكتاب يكاد يسقط من بين ذراعيها.
قالت بصوت واضح:
– «سيدي… اللوحة تقول
رمش الرجل كمن صُدم، وحدّق في الطفلة:
– «أأنتِ… تقرئين هذا؟»
أجابت دون أن تخفض نظرها:
– «نعم، سيدي. هذه لهجة أدرمية قديمة.»
اشتعلت الهمهمات من حولهما كما تشتعل النار في الهشيم.
قال أحد الواقفين بدهشة لم يُخفها:
– «إنها ابنة عاملة النظافة… وتتحدث هذا؟!»
وفي الطابق الثاني، حيث الشرفة الخشبية ذات النقوش الدقيقة، كان الشيخ إدريس الفاروقي يراقب كل شيء.
عيناه الرماديتان تتابعان خطوات إيلا، وصوته الداخلي يلتقط شيئًا لم يُسمّه بعد.
اقترب منه مستشاره هامسًا:
– «هل هناك مشكلة يا صاحب السمو؟»
فأجاب إدريس ببطء:
– «… ليست مشكلة. لكنها ظاهرة تستحق الوقوف عندها.»
ثم ضرب بطرف عصاه على الرخام ضربة خفيفة، لامستها رهبةٌ مُحكمة.
وأصدر أمرًا لا يسمعه إلا المقرّبون.
وبعد دقائق، وقف أمام إيلا رجل طويل ذو عيون ثاقبة ترتجف في حدّتها الهدوء والسلطة عمر كريم، أحد رجال الشيخ.
قال لها:
– «يقولون إنك قرأتِ اللوحة. كم لغة تعرفين؟»
– «ثمانية.»
لم ترمش.
ولم يرتجف صوتها.
أومأ عمر برأسه ثم قال:
– «الشيخ يريد رؤيتك. تعالي.»
نظرت إيلا فورًا إلى والدتها.
كانت نظرةً تمزّق القلب: خوفٌ لا يريد أن يكون خوفًا، وفخرٌ يخشى أن
كانت تعلم كما تعلم إيلا أن الدرجات الحجرية التي ستصعدها الآن ربما تُعيد رسم حياتها…
إما أن تفتح لها بابًا نحو مستقبل لا يشبه الفقر الذي وُلدت فيه،
أو تلقي بها في تجربة لا ترحم طفلة.
لكن إيلا رفعت كتابها إلى صدرها… وصعدت.
كانت خطواتها كنبضاتٍ مكتومة، والممرّ الطويل يقودها إلى غرفة لم تطأها قدماها من قبل.
وعندما توقّفت أمام الباب الكبير المنقوش، لم تكن تسمع إلا دقّات قلبها ووقع صمتٍ ثقيل ينتظرها.
وعندما دخلت…
رفعت عيناها لأول مرة نحو الرجل الذي سمع عنها قبل أن يراها:
الشيخ إدريس الفاروقي.
وقفت إيلا أمام الشيخ إدريس الفاروقي، والباب يغلق خلفها ببطء كما لو أنه يعزلها عن عالمٍ كانت تعرفه منذ لحظات فقط. كانت الغرفة واسعة، مزينة بخشب داكن، تتدلى من سقفها مصابيح نحاسية تصنع دوائر ضوئية على الأرض كأنها خرائط لطرقٍ لا يسلكها إلا القليل.
نهض الشيخ إدريس من مقعده، رجل طويل، صوته هادئ لكنه يحمل ثقل سنواتٍ من النفوذ والقرارات.
قال لها بابتسامة خفيفة:
– «أهلاً بكِ يا إيلا. يبدو أنك تحملين في داخلك ما لا يحمله كثير من الكبار.»
انحنت إيلا احترامًا، ثم رفعت رأسها بثباتٍ لا يشبه سنها.
كان عمر كريم يقف جانبًا، يراقب المشهد بصرامةٍ تُخفي إعجابًا لم يعتد الاعتراف
أشار الشيخ إلى مقعد صغير قريب منه:
– «اقتربي واجلسي هنا.»