طفلة ابهرت الشيخ العربي والوفد المرافق له

لمحة نيوز


جلست، بينما بقيت يداها ممسكتين بالكتاب كأنه جزء من جسدها.
أخذ الشيخ يتأمل ملامحها ثم قال:
– «يقال إنك تقرئين الأدرمية. هل هذا صحيح؟»
أجابت بثقة هادئة:
– «نعم يا سيدي. تعلمتها من جدي… كان ضابطًا سابقًا، يحب اللغات القديمة.»
هز الشيخ رأسه ببطء، كأنه يربط خيوطًا عديدة في ذهنه.
ثم التفت إلى عمر:
– «أحضر اللوح.»
أخرج عمر صندوقًا خشبيًا صغيرًا، فتحه بحذر، وأخرج منه لوحًا حجريًا منقوشًا بحروف معقّدة، تغطيه طبقة رقيقة من الغبار.
وضعه أمام إيلا.
قال الشيخ:
– «اقرئي.»
لم تتردد إيلا.
مررت أصابعها الصغيرة فوق النقوش، كأنها تستيقظ من نوم عميق.
ثم قرأت بصوت واضح:
– «هذا نصّ من عهد السلطان الأدرمي الرابع… يتحدث عن اتفاقية عبور القوافل بين الشمال والشرق… وعن وضع ختم الإمارة على الطريق السلطاني.»
ساد الصمت.
عمّق.
ثقل.
ثم قال الشيخ إدريس وهو يبتسم ابتسامة نادرة:
– «أعجوبة…»
نظر إلى مستشاره، ثم عاد إليها قائلًا:
– «إيلا، هل تعرفين ما معنى أن تفهمي نصًا

كهذا؟»
أجابت بصوت صغير لكنه لا يرتجف:
– «أعرف أنه مهم لكم يا سيدي… لكنني… أقرأه لأنه جميل.»
ضحك الشيخ ضحكة قصيرة صادقة، بينما انعكس على وجه عمر شيء يشبه الدهشة.
ثم نهض الشيخ واتجه نحو مكتبة خشبية ضخمة تلامس السقف.
مدّ يده إلى رفّ مرتفع، وأخرج كتابًا كبيرًا ذا غلاف جلدي مائل للحمرة، حمله بحرص وتوجه نحو إيلا.
قال وهو يقدّمه لها:
– «هذا كتاب نادر… مجموعة نصوص أدرمية لم تُطبع مرة أخرى منذ مئة عام. أريدك أن يكون لك.»
رفعت إيلا الكتاب بكلتا يديها، وكأن قلبها نفسه قد صار أخفّ من الهواء.
قالت بصوت مبحوح من المفاجأة:
– «سيدي… هذا كثير عليّ.»
– «بل هو قليل عليكِ.»
قالها الشيخ بلهجة قاطعة، كمن يرى ما لا يراه الآخرون.
ثم أضاف:
– «إيلا… أريدك أن تدرسي هذه اللغة كما لم يدرسها أحد. لا شيء يُقدّر مثل عقلٍ يعرف كيف يحفظ الجمال ويعيده للعالم.»
لم تعرف إيلا ماذا تقول.
ولوهلة، نسيَت العالم كله: الأرضيات الباردة التي تغسلها أمها، الأصوات الساخرة، الأيام الطويلة
التي يصنع فيها الفقر ظلالًا فوق الطفولة.
كان كل شيء جديدًا.
وغريبًا.
ومخيفًا…
لكنها كانت مستعدة.
نزلت إيلا مع عمر كريم عبر الدرج الطويل، تحمل الكتاب بين ذراعيها.
وعندما رأت سميرة تلوح لها من بعيد، أسرعت الخطى… لكنّ وجه والدتها كان ممتلئًا بأسئلة كثيرة.
قالت سميرة بصوت مضغوط:
– «إيلا… ماذا حدث هناك؟ هل ضايقك أحد؟»
هزت إيلا رأسها وهي تبتسم ابتسامة لم ترها أمها على وجهها من قبل:
– «لا يا أمي… الشيخ أعطاني كتابًا… وقال إني يجب أن أتعلم أكثر.»
تجمدت سميرة لحظة، ثم مسحت يدها على شعر طفلتها قائلة:
– «يا رب… يا رب هوِّن عليها وافتَح لها طريقًا أحسن من طريقنا.»
وفي تلك الليلة، جلست إيلا في ركن صغير من غرفة المعيشة المتواضعة، تفتح صفحات الكتاب ببطء، والضوء الأصفر ينساب فوق الحروف كأنها كنزٌ دفين انكشف لها وحدها.
كانت تشعر بأنها وُجدت من جديد.

مرت أسابيع.
كانت إيلا تُدرّب نفسها كل يوم، تقرأ نصوصًا، تترجم أخرى، تحفظ وتكرر، فيما والدتها تراقبها بعيون

تحمل خوفًا من المستقبل وفخرًا يرفض أن يخفى.
وفي أحد الأيام، جاء رسول من قصر الفاروقي إلى المجمّع السكني البسيط حيث تعيش سميرة وابنتها.
وقف أمام باب الشقة الضيقة قائلًا:
– «السيد الشيخ إدريس يدعو الطفلة إيلا للحضور إلى القصر صباح الغد… لأمرٍ مهم.»
شعرت سميرة بأن قلبها يسقط.
أما إيلا…
فرفعت رأسها بثقة جديدة، وقالت:
– «سأذهب يا أمي.»
وفي صباح اليوم التالي، دخلت إيلا قصر الفاروقي الواسع، حيث ينتظرها علماء وباحثون، يريدون أن يختبروا قدراتها بأنفسهم.
لم ترتجف.
لم تتردد.
وعندما انتهى الاختبار الطويل، نهض الشيخ إدريس، واقترب منها، ووضع يده على كتفها قائلًا:
– «إيلا… أنتِ لستِ مجرد طفلة موهوبة. أنتِ مشروع عالِمة. وأنا أريدك أن تعملي معنا هنا… في قسم النصوص الأدرمية.»
كانت الكلمات أكبر من أي حلم فكرت فيه يومًا.
لكنها قالت بصوت ثابت:
– «أقبل يا سيدي.»
وهكذا…
بدأت الرحلة.
رحلة الطفلة التي خرجت من رائحة مواد التنظيف…
إلى عالمٍ تصنعه الحروف، وتفتح أبوابه
المعارف…
رحلة لم تكن قد بدأت بعد بالكامل، لكنها الآن… أصبحت حقيقية.

تم نسخ الرابط