طلبت مني ابنتي أن أتظاهر بالمرض وأغادر فورً

لمحة نيوز

عندما فتحت تلك الورقة الصغيرة المتجعدة لم أتخيل أبدا أن تلك الكلمات الخمس المكتوبة بخط ابنتي المألوف ستغير كل شيء.
كانت الرسالة تقول تظاهري بالمرض وغادري.
حدقت فيها مشدوهة بينما كانت سارة تهز رأسها بعنف وعيناها تجاهدان لتوقف دموعا لا تريدها أن تنهمر. لم أفهم شيئا آنذاك لكنني أدركت كل شيء لاحقا.
كان صباحا عاديا في منزلنا الهادئ في ضواحي شيكاغو. مضت عامان على زواجي من ريتشارد رجل الأعمال الهادئ الذي دخل حياتي بعد طلاقي وجاء معه ما ظننته استقرارا طال انتظاره. بيت واسع مال وفير وابنتي سارة التي أخيرا وجدت مكانا يتيح لها أن تتنفس بلا خوف.
كانت سارة دوما مختلفة عمن في عمرها هادئة تلتقط التفاصيل بنظرات أكثر مما تفعل بالكلمات. في بداية زواجي من ريتشارد كانت العلاقة بينهما متوترة كما توقعت من فتاة مراهقة مع زوج أم لكنني كنت أظن أنهما مع الوقت توصلا إلى هدنة مستقرة أو هكذا خيل لي.
في صباح ذلك السبت دعا ريتشارد شركاءه لتناول الغداء وكان اليوم بالنسبة إليه بالغ الأهمية. أمضيت أسبوعا كاملا أتهيأ له من إعداد القائمة إلى أصغر تفاصيل الزينة. وبينما كنت أعد السلطة في المطبخ ظهرت سارة بوجه شاحب يشبه ورقة خريف مهتزة.
قالت بصوت مبحوح وهي تقترب مني
أمي أحتاج أن أريك شيئا في غرفتي.
وفي اللحظة ذاتها دخل

ريتشارد يعدل ربطة عنقه الفاخرة بابتسامة لا تطال عينيه.
قال بنبرة متفحصة
عم تتحدثان همسا
أجبته تلقائيا
لا شيء سارة تحتاج مساعدتي في أمر يتعلق بالمدرسة.
هز رأسه وهو ينظر إلى ساعته
أرجو ألا تتأخرا الضيوف سيصلون خلال نصف ساعة.
تبعت سارة إلى غرفتها وما إن أغلقنا الباب حتى التفتت إلي بعينين تشتعلان خوفا. لم تقل كلمة فقط وضعت في يدي تلك الورقة الصغيرة. وعندما قرأت ما فيها تجمد وجهي.
قلت لها بامتعاض مرتبك
سارة ما هذه المزحة الضيوف سيصلون بعد قليل.
لكن صوتها المرتجف قطع اعتراضي
ليست مزحة أرجوك يا أمي غادري الآن. ثقي بي وسأشرح لك كل شيء لاحقا.
كان في نظرتها شيء لم أره فيها من قبل رعب صادق يكفي وحده لإسكات أي أم.
قبل أن أستجوبها أكثر انفتح الباب وظهر ريتشارد بملامح متوترة.
قال بحدة مكتومة
ما الذي يجري أول الضيوف وصل.
نظرت إلى سارة وكانت توسلها الصامت أقوى من أي كلمة.
وضعت يدي على جبيني وقلت
آسفة يا ريتشارد أشعر بدوار شديد. أظنه صداعا نصفيا.
رمقني بنظرة شك
الآن كنت بخير منذ لحظات.
تمتمت وأنا أحاول أن أبدو متعبة بالفعل
فجأة سأستلقي قليلا. ابدأوا من دوني.
رن جرس الباب فاختفى اعتراضه.
قال ببرود مختلط بتوتر
عودي في أقرب وقت.
خرج وما إن ابتعد خطوات حتى قبضت سارة على يدي قائلة
لن تستلقي. سنغادر الآن.
قولي إنك تحتاجين دواء من الصيدلية وأنا سأرافقك.
اعترضت بدهشة
سارة! لا يمكنني ترك ضيوفه هكذا!
لكن كلماتها التالية شقت صدري
أمي الأمر يتعلق بحياتك.
لم أسمع صوتي حينها وكأن الهواء نفسه تجمد. تبعتها بلا تفكير.
وجدنا ريتشارد يتحدث مع رجلين ببدلات رسمية فقاطعته قائلة
سأخرج لشراء دواء أقوى سارة سترافقني.
تصلبت ابتسامته لثانية ثم قال
زوجتي ليست على ما يرام عودي سريعا.
لكن عينيه قالتا شيئا آخر شيئا مريبا لم أفهمه إلا لاحقا.
ما إن ركبنا السيارة حتى كانت سارة ترتجف من رأسها حتى أطراف أصابعها.
قالت وهي تحدق في المنزل عبر النافذة
انطلقي يا أمي ابتعدي قدر ما تقدرين. سأخبرك بكل شيء في الطريق.
شغلت المحرك وقلبي يخفق بعنف.
وعندما بدأت سارة تتكلم انهار العالم تحت قدمي.
قالت وصوتها يختنق بالبكاء
ريتشارد يحاول قتلك يا أمي. سمعته الليلة الماضية يتحدث عن وضع سم في الشاي.
ضغطت على المكابح بعنف وكاد قلبي يرتطم بزجاج السيارة. شعرت بدوار يشبه الضياع.
همست
ماذا هذا غير معقول.
لكن سارة هزت رأسها والدموع تلمع في أهدابها
سمعت كل شيء كان يقول إنك ستشربين شايك كما تفعلين دائما أمام الضيوف. سيبدو الأمر نوبة قلبية ولن يشك أحد.
ازدحمت أنفاسي في صدري.
قلت بشك يائس
ربما كان يتحدث عن امرأة أخرى ربما أسأت السمع.
لكنها
قالت بإصرار لم أعهده منها
لا يا أمي. كان يتحدث عنك وقال إنه بعد موتك سيحصل على التأمين والمنزل وتكفل بذكري اسمي أيضا.
تجمد دمي.
همست
التأمين
أومأت
نعم بوليصة التأمين على حياتك. مليون دولار.
ثم أخبرتني بما رأته بعد المكالمة وأنها بعد أن اختفى ريتشارد في غرفته عادت إلى مكتبه تدفعها غريزة لا تعرف لها اسما.
كان الباب مفتوحا.
والأوراق مبعثرة.
والملفات تحمل كلمات مخيفة
ديون فوائد متراكمة إنذارات تهديدات قانونية مهلة نهائية.
ثم اكتشفت ما هو أدهى وأقسى. لم يكن ملفا واحدا يعج بالشبهات بل سلسلة كاملة من الملفات كأن أحدهم يحاول تغطية انهيار شامل بستار مبتسم. أخبرتني أنها اطلعت على كشوفات تظهر أن الشركة التي كان يتباهى بأنها في أوج توسعها تختنق في واقع الأمر بضيق مالي خانق وأن جهات عدة تطالبه بمبالغ يعجز عن سدادها. ثم أشارت إلى ورقة صغيرة وجدتها إلى جانب المكتب لم تكن وثيقة رسمية بل ملاحظة دونها بخط يده تتجاور فيها أرقام وتواريخ وبجانبها كلمات قصيرة كطعنات الدفعة نهاية الشهر. الضغط يزداد. لا خيار.
سألتها وأنا أحاول الحفاظ على تماسكي
وكيف عرفت أنه يملك حسابا سريا
ابتلعت ريقها وقالت إن الأمر جاء مصادفة رأته قبل أيام يفتح ظرفا ظنت أنه إعلانا عابرا فإذا به كشف مختصر لحساب بنكي. وفي تلك الليلة حين
كانت تقلب الأوراق بعينين مرتجفتين وقعت على كشف آخر لحساب لا أعرفه تابع لبنك لم
تم نسخ الرابط