طلبت مني ابنتي أن أتظاهر بالمرض وأغادر فورً
شيء لن يترك خطته تنهار بسبب فنجان شاي.
سيجرب طرقا أخرى إلحاحا لطيفا عاطفة مصطنعة عذرا طبيا
وربما شيئا أشد قسوة إن فشل اللطف.
مرت الدقائق بثقل الساعات. كنت أراقب الباب كما يراقب السجين نافذة ضيقة وأتابع المطبخ وحركة يديه كلما دخل وخرج. كان في خطواته ما يوحي بأن شيئا خفيا يدبر وأن وراء هدوئه ستارا لا يطمئن. تظاهرت بالإرهاق لأخفف حدة نظراته لكنني كنت مستيقظة حد الوجع.
اهتز هاتفي في جيبي فمددت يدي بخفة. رسالة واحدة من سارة. الآن. تجمد الدم في عروقي وتذكرت عهدنا لا نقاش لا تردد. التفت إلى الضيوف وقلت بابتسامة باهتة
أستأذنكم دقيقة سأطمئن على سارة.
استدار ريتشارد فجأة وقال سأصعد معك.
فأجبته بسرعة مصطنعة لا داعي ربما تكون نائمة. سأعود حالا.
رمقني بنظرة فاحصة ثم رسم ابتسامة باردة حسنا لا تتأخري.
صعدت الدرج وقلبي يدق كأنه يريد أن يثب من صدري. دخلت غرفة سارة فوجدتها واقفة قرب النافذة وجهها شاحب ويداها ترتجفان. قالت بصوت متسارع
وجدت شيئا زجاجة صغيرة بلا أي كتابة كانت مخفية في درج مكتبه. صورتها ووجدت ورقة أخرى عليها خطة مكتوبة بخطه فيها أوقات وتفاصيل.
ثم تسارعت أنفاسها ولما كنت أبحث سمعت خطاه فجأة على السلم.
لم نملك وقتا للتفكير. سمعنا صوته من خارج الباب هيلين سارة هل كل شيء بخير
نظرت حولي بسرعة. الباب لا يمكن تجاوزه دون أن يرانا والنافذة تطل على الحديقة من الطابق الثاني.
قلت لسارة قفي خلفي سنبدو كأننا نتحدث فقط.
دخل ريتشارد. كانت ابتسامته مرسومة أما عیناه فكانتا تجوسان في
هل كل شيء بخير هنا
أجبته بثبات متعمد نعم سارة متعبة فقط.
نظر إليها وقال هل تحتاجين شيئا
فتمتمت بصوت خافت مصطنع لا فقط أريد النوم.
ثم التفت إلي وأنت يا هيلين ماذا عن الصداع
قلت أشعر بتحسن طفيف.
اقترب خطوة وقال بابتسامة متسقة مع ظلال قاسية في عينيه
ممتاز أعددت لك الشاي الذي تحبينه. اخترت نوعا يساعد على الصداع.
أدركت حينها. الشاي لم يكن ضيافة كان جزءا من الخطة.
قلت بهدوء شكرا لكن لا رغبة لي فيه الآن.
فقال بابتسامة متصلبة بل أفضل أن تشربيه. صنعته خصيصا لك.
كانت نبرته أمرا متنكرا في قناع لطف. إن رفضت اشتبه وإن قبلت وقعت في الفخ.
قلت متحايلة سأبقى قليلا مع سارة ثم أنزل.
حدق فينا طويلا كأنه يحاول أن يقرأ ارتجافة في أعماقنا. ثم قال حسنا لكن لا تتأخري.
خرج ثم دار المفتاح في القفل.
حبس أنفاسنا داخل الغرفة.
صرخت سارة لقد أغلق الباب!
ركضت نحو المقبض لا يتحرك.
لم يعد الأمر شكا. لقد دخل مرحلة اليقين.
من يغلق باب غرفة على زوجته وابنته لا يريد حديثا بل سيطرة.
قلت لسارة وأنا ألتفت إلى النافذة لن نخرج من الباب سنخرج من هنا.
نظرت إلى الأسفل وارتجفت إنها عالية.
قلت سنخفف السقوط سنستخدم غطاء السرير.
نزعت الغطاء بسرعة ربطته بقاعدة المكتب الثقيلة شددته واختبرت العقدة. لم يكن هناك وقت لمثالية يكفي أن يحملنا قليلا.
كانت خطواته تقترب وصوت المفتاح يعود.
قلت لسارة أنت أولا انزلي قدر ما تستطيعين.
ترددت لحظة ثم أطاعت. هبطت وتمدد الغطاء تحت
قفزت. ارتطمت بالعشب ثم نهضت وأشارت أنها بخير.
في اللحظة نفسها انفتح الباب وظهر ريتشارد وجهه مجمد بغضب مقنع وكأن قناعا انكسر.
قفزت نحو النافذة تمسكت بالغطاء انزلقت حتى احترقت يداي وسمعته يصرخ باسمي بصوت لم أعرفه من قبل. ثم تركت نفسي وسقطت. التوى كاحلي لكن الخوف كان أقوى من الألم.
أمسكت يد سارة وقلت اركضي!
انطلقنا عبر الحديقة عبر السور المنخفض حتى وصلنا إلى المساحة الخضراء. خلفنا دوت أصوات الأبواب وصياح رجاله. كان سيصنع سيناريو هروب هستيري أمام كل من يرانا.
دخلنا غابة صغيرة أنفاسي تتقطع وكاحلي يصرخ لكني جررت نفسي لأن الوقوف يعني القبض علينا.
قلت لسارة الصور معك
أخرجت هاتفها وأرتني الزجاجة الصغيرة ذات السائل الكهرماني والورقة التي تحمل خطه. لم تكن خطة عابرة بل خريطة لجريمة.
واصلنا الهرب حتى وصلنا إلى بوابة خدمة معدنية. مررت بطاقة الحي فانفتحت. خرجنا إلى الشارع وأوقفنا سيارة أجرة. قلت للسائق
إلى مركز تجاري مزدحم مكان لا يلفت الانتباه.
جلسنا في مقهى. كنت أرتجف وسارة ترمق كل من يمر. فتحت هاتفي عشرات الرسائل منه. أسوأها
اتصلت بالشرطة فكري في سارة.
تهديد متنكر في شكل قلق.
اتصلت بصديقة قديمة محامية جنائية. قالت بصرامة
لا تتحدثي مع الشرطة وحدك. انتظري. أنا قادمة.
وحين وصل رجال الشرطة فعلا اقتربوا وقالوا إن زوجي أبلغ أنني غادرت المنزل بحالة غير طبيعية وقد أكون عرضت ابنتي للخطر.
الكلمات تقيد مثل الأصفاد.
لكن المحامية وصلت وتحدثت بلغة لا
في المركز دخل ريتشارد بوجه الزوج المصدوم. حاول الاقتراب فمنعوه. ظل يردد
الحمد لله أنكما بخير.
كنت أنظر إليه كما ينظر المرء لممثل بارع في مسرح رخيص.
حاول إقناعهم بأنني أعاني من قلق وأن الطبيب وصف لي مهدئا لكن النتائج كانت أسرع من أكاذيبه.
جاء الضابط وقال
الدم الذي وجد في غرفة سارة لا يطابقكما. يطابقه هو. والوقت حديث وضعه بنفسه.
والزجاجة تحليلها المبدئي يكشف مادة سامة لا دواء.
هنا انكسرت ملامحه تساقطت الأقنعة. صرخ وانقض نحوي لكنهم أمسكوه.
عندها فقط رأيت ريتشارد الحقيقي.
بدأت القضية وانتشرت القصة.
كتبوا عن زوج حاول إنهاء حياة زوجته طمعا وعن فتاة في الرابعة عشرة
أنقذت أمها بورقة صغيرة.
وانكشف أن زوجته السابقة لم تمت طبيعيا كما ظن الجميع. أعادوا فتح الملف ووجدوا آثار المادة نفسها.
صدر الحكم عليه بسنوات طويلة مع إعادة فتح قضايا قديمة.
بعد أشهر انتقلت أنا وسارة إلى شقة جديدة حياة جديدة. كنا نغلق الباب كل ليلة ونحن نعلم أننا آمنون لا مجرد مبتسمين.
وفي صباح دافئ بينما أرتب الكتب وجدت ورقة مطوية بين صفحات رواية قديمة. خط سارة.
هي الورقة نفسها
تظاهري بالمرض وغادري.
جلست على الأرض وبكيت
لا بكاء خوف بل بكاء نجاة.
لم تعد الكلمات مجرد تحذير. صارت عهدا ألا أسلم حياتي لواجهة براقة وألا أطفئ حدس طفل يرى ما لا يراه الكبار.
وضعتها في صندوق خشبي صغير
لا لتذكر الرعب بل لتذكر أن النجاة قد تأتي من
وأن ابنتي بصمتها وحدسها كانت الجدار الأخير بيننا وبين الظلام.