طلبت مني ابنتي أن أتظاهر بالمرض وأغادر فورً
المحتويات
أتعامل معه قط ورقم لم أسمع به في حياتي. ثم رأت جدول تحويلات متكررة مبالغ صغيرة تحول بفواصل زمنية ثابتة كأن الهدف ليس جمع المال فحسب بل تمرير تلك التحويلات دون لفت انتباه أحد.
قالت كانت مبالغ صغيرة في كل مرة لكنها كثيرة ومع الوقت أصبحت كبيرة.
ثم أردفت بصوت خرج منه غضب مكتوم وأنا متأكدة أنها من مالك يا أمي. سمعتكما تتحدثان منذ أشهر عن ثمن الشقة التي بعتها وكم ادخرت منه وكم بقي.
عند تلك الجملة شعرت بأن هواء السيارة صار أثقل من أن يتنفس. لم تعد يداي على المقود يداي. انقبضت أصابعي حتى خيل إلي أن العظام تئن تحت جلدي.
كل ما بنيته في رأسي خلال العامين الأخيرين أخذ ينهار كجدار طلاء سميك يخفي تحته عفنا متراكما. لم يعد الأمر سوء ظن ولا خلافا عابرا بل شبكة كاملة ديون حساب خفي تحويلات محسوبة وبوليصة تأمين ضخمة ثم جملة الشاي والسم التي لا تزال تقطع أنفاسي.
توقفت على جانب الطريق كمن توقف جسده قبل إرادته. ظللت أحدق أمامي في الفراغ والفراغ يحدق في. سمعت صوت المحرك وأنفاس سارة ودقات قلبي كطبول حرب مكتومة في صدري. حاولت الكلام فلم أستطع. حاولت أن أقول لا هذا مستحيل. لكن كلمة مستحيل كانت تتفتت قبل أن تبلغ شفتي.
قلت أخيرا بصوت مبحوح لا يشبهني
كيف لم أر هذا
وضعت سارة يدها على يدي. كانت يدها صغيرة لكنها ثابتة على غير عادتها. قالت
لأنه كان بارعا في أداء دوره. كان يتقن أن يمنحك شعور الأمان لتتوقفي عن السؤال. وأنا كنت خائفة أن أخبرك. ظننت أنك ستتهمينني بأنني أبغضه فقط لأنه ليس أبي.
انهمرت دموعي دون استئذان. دموع خوف ودموع خجل. خجل أم ظنت نفسها حكيمة فإذا بها تساق كطفلة نحو الهاوية. وخجل امرأة منحت ثقتها لرجل لا يستحق. لكن وسط ذلك الانكسار كله كان شيء آخر ينبت غضب بارد لا صراخ فيه بل حدة تشبه حافة سكين.
رن هاتفي. كانت رسالة منه
أين أنتما الضيوف يسألون عنك.
قرأتها مرة ثم ثانية ثم شعرت بالغثيان.
كيف يستطيع الشخص نفسه أن يكتب كلمات تبدو عادية وفي الوقت ذاته يخطط لدفنك تحت قصة نوبة قلبية كيف يكون الحنان قناعا بهذه السماكة
سألتني سارة
ماذا سنفعل الآن
نظرت إليها. في عينيها خوف واضح لكن خلفه وعي مبكر بأن الحياة خادعة وأن النجاة قرار لا هدية.
قلت
أول شيء لن نعود إلى البيت.
سكت لحظة لأختبر قدرتي على قول الجملة ثم كررتها
لن نعود إلا ونحن نعرف ما نريد.
مرت دقائق طويلة في صمت ثقيل. ثم قلت ببطء
نحتاج إلى دليل لا يستطيع إنكاره. الشرطة لن تستمع لشيء من نوع سمعت رأيت شعرت. سيقولون إنها
قالت سارة
لكن معنا الصور.
قلت
الصور قوية لكنها وحدها قد لا تكفي. سيقول إن الزجاجة دواء وإن الورقة مجرد ملاحظة وإنك فتاة صغيرة تبالغين في خوفك. وسيقول إنني امرأة مطلقة متوترة أتخيل الأشياء.
عندها تفتح داخلي فهم مرعب
الخطر ليس في السم وحده الخطر في القصة التي سيكتبها عني إن فررت بلا دليل. كان سيظهر أمام الجميع كالزوج القلق وأظهر أنا كالزوجة المضطربة. وحينها سيصل إلينا بسهولة هذه المرة بمساعدة القانون لا رغما عنه.
قلت لسارة
اسمعيني قد نضطر للعودة.
شهقت
نعود! هل فقدت عقلك
قلت وأنا أحاول تثبيت نبرة صوتي
لن نشرب شيئا. لن نأكل شيئا. لن نمنحه فرصة. سنعود لنأخذ ما نستطيع من أدلة ثم نخرج. سنتصرف كأن البيت ساحة معركة لا منزلنا.
سكتت لحظات ثم قالت
وكيف
قلت
سنكمل التمثيل. سأبدو وكأنني تحسنت قليلا بالدواء وأنت ستصعدين إلى غرفتك كأنك مرهقة. تبحثين عن أي شيء يثبت خطته زجاجة ورقة رسالة أي أثر. لكن لا تلمسي شيئا قبل تصويره ولا تغيري مكان شيء. فقط صوري.
ثم أضفت
وإذا شعرت أنه يقترب سترسلين لي كلمة واحدة الآن.
قالت
وماذا ستفعلين أنت
قلت
سأبقى مع الضيوف. سأراقب كل حركة. لن أسمح له أن يقدم لي شيئا. وسأراقب وجهه حين يدرك أننا عدنا.
وعندما اقتربنا من البيت شعرت بأن أضلعي تضيق على صدري. كانت سيارات الضيوف تملأ الممر. الجميع يضحكون بالداخل ولا أحد منهم يعلم أن البيت قد يتحول خلال دقائق إلى مسرح جريمة.
فتحنا الباب. استقبلتنا ضوضاء الحديث ورائحة الطعام. كان ريتشارد في منتصف غرفة الجلوس يروي قصة ويضحك. وحين وقعت عيناه علينا ارتعشت ابتسامته لحظة قصيرة قصيرة جدا لو لم أكن أعرف حقيقة ما يخفيه لما رأيتها. ثم عادت الابتسامة إلى وجهه.
اقترب ووضع يده على خصري. ما إن لامست يده جلدي حتى شعرت بالغثيان. قال
عدت هل تشعرين بتحسن
قلت بابتسامة مدروسة
يبدو أن الدواء بدأ يعمل.
قال
الحمد لله. ثم التفت إلى سارة
وأنت يا صغيرة تبدين شاحبة.
قالت سارة بصوت ثابت
صداع سأستلقي قليلا.
قال بنبرة مقنعة حد الإتقان
نعم نعم اذهبي وارتاحي.
لكن عينيه كانتا تفحصاننا لا كلماته.
صعدت سارة. وبقيت أنا بين الضيوف. كنت أضحك حين يضحكون وأ nod حين يتحدثون عن الصفقات والتوسع. وكلما اقترب ريتشارد مني شعرت بأن الهواء يبرد حولي.
قدم لي كأس ماء. أخذته.
ثم قال بنبرة عابرة
لا شاي اليوم
ارتجفت روحي من الداخل. قلت بلطف
أفضل تجنب الكافيين مع الصداع.
ومثل ومضة رأيت ظلا يمر في
ابتسم قائلا
كما تريدين.
لكنني كنت أعلم
الشخص الذي خطط لكل
متابعة القراءة