ملياردير يرى فتاة مشردة تساعد ابنه المصاب بالشلل
المحتويات
تؤلمانها غير أن عقلها هو الأكثر تعبا.
كل ما كان يشغلها هو الصبي لورانس.
عادت صورة عينيه الحزينتين إلى ذاكرتها ذلك التيه المكسور الذي يطفو فوق وجهه. ثم تذكرت والده السيد أنطوني وهو يجري نحوه بجنون يشبه الفزع. لم يكن خوف غضب بل خوف فقدان.
جلست على حافة الرصيف طوت ذراعيها حول جسدها لتحتمي من برودة الهواء ثم همست
ما الذي حدث لهما ولماذا كان الحزن يسبق حتى كلماتهم
كانت حياتها مليئة بالألم والجوع والضياع لكنها شعرت لأول مرة أن الألم الذي حمله ذلك الفتى يفوق كل ما رأته هي.
رفعت بصرها للسماء وقالت بصوت يكاد يختفي
أتمنى أن يكون بخير وأن يكون آمنا.
وفي قلب القصر جلس السيد أنطوني وحده يضغط على ذاكرته بقوة. ظل المشهد يعاد أمام عينيه مرارا الاتصال الهاتفي الرعب ابنه العالق في منتصف الطريق والفتاة المجهولة التي دفعت كرسيه برفق لم ينسه.
تمتم لنفسه
كان يجب أن أشكرها كان يجب أن أقول أي شيء.
لكن الألم الذي يسكنه منذ سنوات ذلك الجرح الذي خلفه حادث انتزع زوجته وابنته كان يمنعه من استيعاب أي حدث آخر. كان يخشى أن يفقد لورانس أيضا يخشى أن يقف أمام قبر جديد لقطعة أخرى من روحه.
تناول هاتفه واتصل بمساعده
أريد منزلا جديدا في أكثر الأحياء أمنا. لا أريد شيئا يمكن أن يهدد ابني مرة أخرى.
أنهى المكالمة وبقي ينظر إلى ظلام الليل من خلف النافذة محاولا إخفاء ارتجاف قلبه.
ومر أسبوع على حادثة الطريق.
منذ ذلك اليوم لم يعد أنطوني يطيق مغادرة المنزل. صار يعمل من مكتبه الداخلي كأن العالم كله أصبح خطرا لا يحتمل. أما لورانس فكان أكثر صمتا من ذي قبل يجلس في كرسيه المتحرك يحدق في فراغ بعيد وكأنه يعيش في مكان آخر لا يصل إليه أحد.
كانت أغنيس تأخذه إلى الحديقة أحيانا فيجلس بين الزهور دون كلمة واحدة. وكان أنطوني
يا بني عد إلي.
لكن الصبي لم يكن يلتفت.
وفي صباح قاس كانت كريستينا تمشي تحت شمس حارقة. الجوع يضغط على معدتها بقسوة. حاولت طلب المساعدة طوال الصباح لكن الوجوه العابرة لم تلتفت إليها.
وبينما هي تسير وصلت لحي فخم بيوت واسعة بوابات مرتفعة حدائق خضراء غنية بألوان مترفة.
كان حيا لا ينتمي لعالمها ومع ذلك شدها الفضول.
وفجأة رأت أحدهم يلوح لها من خلف بوابة زجاجية. اقتربت أكثر وحين أصبحت على مسافة قريبة تراجعت أنفاسها دهشة.
إنه هو لورانس.
اقتربت من البوابة وجلست على ركبتيها لتنظر إليه مباشرة
أتذكرني
أومأ برأسه بهدوء.
ابتسمت له بلطف
ما زلت حزينا ولا أريده أن أراك هكذا.
لم يرد لكنه ظل يحدق فيها.
فقالت بنعومة
هل تسمح لي أن أغني لك
تردد قليلا ثم أومأ.
أخذت نفسا خفيفا وبدأت تغني.
كان صوتها رقيقا دافئا كأنه نسيم يهدئ طفلا يبكي أو يربت على قلب يظن نفسه منسيا. امتد صوتها فوق الحديقة تسلل عبر الجدران حتى بلغ مكتب أنطوني.
توقف الرجل عن الكتابة. نهض ببطء واتجه نحو النافذة.
وحين رأى المشهد توقف قلبه لحظة.
لورانس يتحرك.
لورانس يحرك شفتيه.
لورانس يغني معها.
كانت تلك الشرارة الصغيرة التي بحث عنها منذ الحادث شرارة حياة.
امتلأت عيناه بالدموع دون أن يشعر. لم يرد أن يقاطع اللحظة فقط تمتم في قلبه
لا تتوقفي دعيه يشعر بالسعادة ولو لثوان.
وعندما رأى ابتسامة صغيرة ترتسم على وجه ابنه كاد ينهار من شدة الأمل.
نادى بصوت مرتفع قليلا
أغنيس!
جاءت مسرعة.
أشار نحو البوابة وقال
أحضري لها طعاما وجبة حقيقية. لا بد أنها جائعة. وهي هي من أنقذت ابني يومها.
أومأت أغنيس وذهبت على الفور إلى المطبخ. ملأت طبقا بالأرز الساخن ثم خرجت نحو البوابة وعندما رأت لورانس يبتسم
كانت تلك اللحظة بداية شيء جديد.
فتحت أغنيس البوابة برفق ومشت نحو كريستينا بخطوات هادئة. نهضت كريستينا على عجل وقد ارتسمت الدهشة في عينيها. انحنت أغنيس قليلا ثم ابتسمت بلطف وهي تقول هذا لك. ومدت إليها طبقا من الطعام. رمشت كريستينا بدهشة واتسعت عيناها حين سمعتها تضيف نعم إنه لك. السيد طلب مني أن أعطيك إياه شكرا لمساعدتك ابنه في الطريق.
تناولت كريستينا الطبق بكلتا يديها كما لو أنها تخشى أن يتلاشى وانكسر صوتها وهي تهمس شكرا شكرا جزيلا.
أومأت أغنيس ثم التفتت إلى لورانس بابتسامة دافئة حسنا يا لورانس قل وداعا لصديقتك اليوم.
التفت لورانس نحو كريستينا صمت لحظة ثم قال بصوت هادئ متردد تعالي غدا.
ابتسمت كريستينا سريعا سآتي أعدك.
دفعت أغنيس كرسي لورانس إلى الداخل وظل هو ينظر خلفه مبتسما في هدوء.
جلس أنطوني خلف مكتبه أسند ظهره إلى الكرسي وحدق طويلا في السقف. تساءل في نفسه كيف لإنسانة لا تملك شيئا أن يكون قلبها ممتلئا بهذا القدر من الفرح تذكر ثيابها الممزقة وخطاها المتعبة ومع ذلك لم تكن الابتسامة تفارقها كأن العالم مهما أثقلها لم يستطع أن يكسرها. شعر حينها بدفء يلامس صدره شيء يشبه الأمل.
خرجت كريستينا وهي تضم طبق الطعام إلى صدرها تمشي ببطء بينما يلامسها نسيم لطيف. همست لنفسها بابتسامة خفيفة على الأقل لن أنام جائعة هذه الليلة.
وللمرة الأولى منذ زمن بدا العالم أقل قسوة.
في تلك الليلة دخل أنطوني غرفة لورانس بخفوت وجلس على طرف السرير. قال بصوت هادئ لورانس كيف كان يومك
أومأ لورانس ببطء. كادت سعادة أنطوني تعصف بقلبه. أمسك يد ابنه وقال بحرارة أنا سعيد تصبح على خير يا بني.
نهض أطفأ الضوء وحين هم بالخروج سمع لورانس يهمهم باللحن نفسه من جديد. لمع
مرت الأيام في هدوء لطيف. صارت كريستينا تأتي كل صباح إلى السور نفسه. لم تحاول الدخول بل كانت تجلس قرب البوابة تنتظر. وكانت أغنيس تدفع لورانس إلى الحديقة عند السور ليجلسا معا. تحكي له قصصا بسيطة تغني أحيانا وتجلس صامتة أحيانا أخرى لكن حضورها كان يضيء المكان رغم تعبها وثيابها البالية.
وكان أنطوني يراقب ذلك من بعيد. يرى كيف يلين الحزن في عيني لورانس حين يراها وكيف يسترخي كتفاه أخيرا. ومع ذلك لم يسمح لها بالدخول بعد. أراد أن يفهمها أكثر.
وبعد أسبوع اصطحب أنطوني ابنه إلى المستشفى للفحص الشهري. وبعد أن انتهى الطبيب من الفحص قال سيد أنطوني ابنك يتحسن.
تجمد أنطوني لحظة يتحسن كيف
ابتسم الطبيب ابتسامة خفيفة استجابته للعلاج أفضل من قبل. أعصابه بدأت تستيقظ ببطء. سيستغرق الأمر وقتا لكنه قد يمشي يوما. فقط لا تفقدوا الأمل.
امتلأت عينا أنطوني دفئا ونظر إلى ابنه بصمت مفعم برجاء جديد.
وفي طريق العودة رن هاتفه. كان مساعده يخبره أن المنزل الجديد اكتمل تجهيزه. نظر أنطوني إلى الطريق ثم إلى ابنه وقال بهدوء أظن أن الوقت قد حان لبداية جديدة.
وبدأت الاستعدادات. حزموا الحقائب ورتب الموظفون كل شيء وبعد أسبوع انتقلوا. تركوا وراءهم البيت القديم صامتا خاليا من كل الأصوات.
وفي صباح اليوم التالي جاءت كريستينا كعادتها. جلست تنتظر ولا أحد.
لا صوت كرسي متحرك.
لا خطوات.
لا أغنيس.
وقفت بتوتر وسألت الحارس الجديد
عذرا أين الصبي الصبي الذي على الكرسي
المتحرك
قال الرجل بلا اكتراث آه هم انتقلوا البارحة. إلى مكان بعيد.
انطفأت ابتسامة كريستينا ببطء. ضمت ثيابها بين أصابعها وقالت بصوت خافت شكرا.
ثم مضت بقدمين مثقلتين لم
متابعة القراءة