ملياردير يرى فتاة مشردة تساعد ابنه المصاب بالشلل

لمحة نيوز


في البيت الجديد بدا لورانس بخير في الأيام الأولى. يبتسم قليلا يهمهم يضيء وجهه.
ثم خبا كل شيء تدريجيا.
توقف عن الهمهمة.
توقف عن الالتفات.
وغرق في صمت ثقيل فارغ.
جلس أنطوني قربه مساء
لورانس هل تريد شيئا هل تتألم هل أنت جائع
ولا إجابة. فقط صمت يغلق كل باب.
وفي اليوم التالي ذهب به إلى الطبيب وهو يقول بقلق
كان يتحسن الآن عاد كما كان. لا أعرف السبب.
أجابه الطبيب بهدوء
أحيانا الشفاء ليس في الجسد بل في القلب. قد يحتاج طفلك إلى شيء أو إلى شخص.
تجمد أنطوني.
شخص واحد ظهر في عقله فورا
كريستينا.
عاد إلى المنزل واتصل بمساعده
هناك فتاة اسمها كريستينا كانت تجلس عند بوابة منزلنا القديم. ابحث عنها أريد العثور عليها.
وفي مكان آخر من المدينة كانت الأمطار تهطل بغزارة. وجدت كريستينا نفسها بلا مأوى تتشبث بجدار وتحاول الاحتماء تحت شجرة. لكن المطر كان أعنف من أي ستر. ابتلت ثيابها وارتجفت حتى سقطت على الأرض عاجزة.
مرت سيارة يقودها زوجان. صاحت المرأة
يا إلهي! الفتاة تتجمد!
توقف الرجل فورا وحملها إلى المستشفى. وبعد الفحص قالت الممرضة بقلق
انخفاض شديد في حرارة الجسد يجب علاجها فورا.
في تلك الأثناء كان مساعد أنطوني يبحث عنها في كل مكان يسأل يتنقل بلا أثر.
اتصل بأنطوني أخيرا وقال بأسف
سيدي لم نجدها.
أغلق أنطوني عينيه بثقل. نظر إلى ابنه وقال بخفوت
لن أدع ابتسامتك تختفي مرة أخرى.
ولم يكن يعلم أن الفتاة التي أنارت حياة ابنه ترقد في سرير مستشفى تكافح لتبقى حية.
وبعد يومين وبينما كان في المستشفى مع لورانس للفحص الدوري سمع صوت جدال في الممر.
رجل وامرأة يتحدثان مع الطبيب
دكتور نحن ساعدنا الطفلة فقط لأنها كانت مريضة لكنها ليست ابنتنا.
وأضاف الرجل بقلق ولا نملك المال لدفع فاتورة المستشفى.
رد الطبيب بحزم
أتفهم لكن لا بد أن يتحمل أحد التكلفة. لا يمكن للمستشفى العلاج مجانا.
تقدم أنطوني بخطوات ثابتة وقال بصوت هادئ
دعوا الأمر لي أنا من سيتكفل بالدفع.
استدار الجميع نحوه بدهشة واضحة ثم قال الطبيب وقد ارتسمت عليه علامات التعجب
سيدي أتقصد أنك ستسدد الفاتورة كاملة
أومأ أنطوني بثقة فتنفس الزوجان الصعداء وانهمرت دموع المرأة امتنانا وهي تهمس
شكرا شكرا جزيلا.
بينما انحنى زوجها احتراما قائلا
جزاك الله خيرا.
التفت الطبيب إلى أنطوني وقال بامتنان
لقد أنقذت موقفا بالغ الصعوبة أشكرك. انتظرني هنا ريثما أحضر ملف المريضة من غرفتها.
ثم فتح الباب وفي اللحظة ذاتها امتد نظر أنطوني إلى داخل الغرفة.
كانت طفلة صغيرة ممددة على السرير شاحبة الوجه بطيئة التنفس شعرها مبعثر وملامحها غارقة في الإرهاق
غير

أن شيئا في هيئتها كان مألوفا إلى حد الوجع.
اتسعت عينا أنطوني وارتجف قلبه فجأة وقال بصوت خرج منه كأنه شهقة
إنها كريستينا.
استدار الطبيب نحوه مذهولا
هل تعرف هذه الطفلة سيدي
تقدم أنطوني خطوة إلى الأمام وكأن الأرض تجذبه نحوها وهمس بنبرة اختلط فيها الذهول بالحنين
نعم لقد كنت أبحث عنها.
ساد صمت عميق لثوان وفي تلك اللحظة شعر أنطوني بأن شرارة أمل قد عادت تشعل شيئا خامدا في قلبه منذ زمن. ظل واقفا يراقب صدر الطفلة وهو يعلو ويهبط ببطء وسؤال واحد يطرق داخله بقوة
كيف استطاعت طفلة بهذا العمر أن تحتمل كل هذا الألم وحدها
قال الطبيب بلطف
سيدي لنتحدث قليلا في المكتب.
أومأ أنطوني واتبعه. وفي المكتب فتح الطبيب الملف وقال
الفتاة كانت تعاني انخفاضا حادا في حرارة جسدها. وجدناها فاقدة الوعي تحت المطر لكنها الآن تتحسن تدريجيا.
تنفس أنطوني بارتياح وهمس
الحمد لله إذن حالتها مستقرة
ابتسم الطبيب
نعم. وبفضل العناية المستمرة ستتمكن من مغادرة المستشفى قريبا.
ابتسم الطبيب وقال
نعم. وبفضل العناية المستمرة ستتمكن من مغادرة المستشفى قريبا.
خرج أنطوني إلى الممر وهو يشعر بخطواته أثقل من أن تحمل ما يدور داخله. وفي اللحظة نفسها كان لورانس يدفع خارج غرفة الفحص على كرسيه المتحرك. وضع أنطوني يده على كتف ابنه وقال بحنان
هيا يا صغيري لقد حان وقت العودة إلى المنزل.
وبعد أن ساعده على الصعود إلى السيارة جلس خلف المقود لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهه رغما عن كل شيء. نظر عبر المرآة إلى لورانس وهمس وكأنه يعده بأمنية تنتظر التحقق
قريبا سترى كريستينا من جديد.
وفي صباح اليوم التالي بينما كان أنطوني في مكتبه يتفحص بعض الأوراق رن الهاتف. كان الطبيب على الطرف الآخر وصوته يحمل بشرى طال انتظارها
سيد أنطوني كريستينا استيقظت.
نهض أنطوني كمن تلقى دفعة أمل مفاجئة وقال بسرعة
شكرا لك يا دكتور أنا قادم حالا.
وخرج ينادي
أغنيس! راقبي لورانس من فضلك أمامي أمر عاجل.
أجابته بابتسامة مطمئنة
كما تأمر يا سيدي.
توجه إلى المستشفى وحين وصل استقبله الطبيب واصطحبه نحو غرفة كريستينا قبل أن يقول بلطف
سأترككما لبعض الوقت.
دخل أنطوني الغرفة بهدوء. كانت كريستينا تجلس بصعوبة وجهها لا يزال شاحبا لكن عينيها أكثر وعيا. وما إن رأته حتى اتسعت ملامحها دهشة. اقترب وجلس إلى جوارها قائلا بصوت دافئ
مرحبا يا صغيرتي أنا في غاية السعادة لاستيقاظك. كيف تشعرين
أجابت بخفوت
إنني متعبة لكنني أفضل حالا. شكرا لك يا سيدي.
نظر إليها أنطوني بحنان عميق وقال
أخبريني ما الذي حدث لماذا كنت تحت المطر وحدك
خفضت كريستينا رأسها وراحت تحكي بصوت
مضطرب
اسمي كريستينا كنت أعيش في دار للأيتام لكن المشرفة هناك كانت قاسية. كانت تعاقبنا لأتفه الأسباب وتقلل طعامنا لتبيعه سرا. لكن الأسوأ أنها كانت تبيع الأطفال لغرباء وتدعي أنهم يريدون التبني.
ارتجفت أناملها وهي تتابع
كنت أصدقها حتى اختفت صديقتي المقربة. قالت المشرفة إنها تبنيت لكنني سمعت بعد أيام حديثا بينها وبين رجل غريب يتكلمان عن الفتاة التالية. عندها فهمت الحقيقة.
تنفست بعمق وكأنها تحاول طرد خوف قديم
هربت تلك الليلة. لم يكن معي شيء ونمت في أي مكان. أحيانا أجد طعاما وأحيانا لا. وفي تلك الليلة لم أجد مأوى وكان المطر شديدا.
استمع أنطوني بصمت وقد أثقل الحزن قلبه. طفلة بهذا العمر تحمل ما لا يطيقه الكبار ثم قال بنبرة مطمئنة
لن تضطري إلى عيش مثل هذه الحياة مرة أخرى أبدا.
رفعت رأسها إليه بعينين تملؤهما الريبة والرجاء في آن واحد.
قال برفق
تعالي وعيشي معنا. سيكون لك بيت وطعام وسرير دافئ. لن تكوني وحدك بعد اليوم.
اغرورقت عيناها بالدموع
أتقول هذا حقا
ابتسم ابتسامة دافئة تشبه وعدا صادقا
نعم نحن بحاجة إليك. ولورانس سيكون أسعد الناس بوجودك.
ثم نادى الطبيب وسأله بصوت حريص
هل يمكنها الخروج اليوم
تصفح الطبيب الملف وقال
نعم حالتها مستقرة ويمكنها المغادرة.
وهكذا خرجت كريستينا ترافق أنطوني بخطوات بطيئة لكنه كان يشعر وكأن الحياة تعيد إليه شيئا فقده من زمن بعيد.
حين وصلا إلى البيت كان لورانس جالسا على كرسيه المتحرك شاردا في صمته. طرق أنطوني الباب طرقا خفيفا فالتفت لورانس ثم رأى كريستينا.
اتسعت عيناه دهشة ثم غمرت الابتسامة وجهه الصغير. تقدمت كريستينا وجثت أمامه قائلة
مرحبا لورانس.
أومأ لها وانعكس في عينيه بريق حياة جديد.
قال أنطوني
ابتداء من اليوم ستعيش كريستينا معنا.
نظر لورانس إلى أبيه ثم إليها وابتسامته تكبر شيئا فشيئا.
وتراجع أنطوني بهدوء تاركا الطفلين معا وقد شعر لأول مرة
منذ زمن بأن البيت عاد يتنفس الدفء
ومع مرور الأيام تغير كل شيء.
عادت الضحكات إلى غرف المنزل.
عادت الحركة والابتسامات والأمل.
صار لورانس يتفاعل مع كريستينا كأن روحا جديدة زرعت فيه.
يسمع قصصها ويضحك يصفق حين تغني يرفع رأسه حين تحدثه.
وفي أحد الفحوص قال الطبيب وهو يحدق بدهشة
ابنك يتحسن بسرعة غير متوقعة يبدو أن في حياته الآن ما يعطيه قوة للمحاولة من جديد.
التفت أنطوني إلى كريستينا وقال مبتسما
لقد جلبت النور إلى بيتنا يا صغيرتي.
فاكتفت بخفض رأسها خجلا.
وفي يوم مشمس كان لورانس يحاول الوقوف في الحديقة وبالقرب منه كانت كريستينا تراقبه بقلق.
قال بصوت حاسم
اليوم أريد أن أحاول المشي.
اتسعت
عيناها خوفا
لا تخاطر لست مضطرا.
لكنه أصر
أستطيع أشعر أنني أستطيع الآن.
وضع يديه على ذراعي الكرسي وشد جسده بقوة.
ارتجفت ساقاه وارتفع قليلا ثم وقف.
خطا خطوة ثم ثانية لكن عند الثالثة خانته قدماه وسقط.
كانت كريستينا تقترب منه حين رفع يده مانعا
لا دعيني أحاول وحدي.
رفع نفسه ببطء شديد وكل عضلة في جسده ترتجف.
ثم وقف مرة أخرى.
وأخذ خطوة ثم أخرى ثم وقف ثابتا للحظة قصيرة لكنها كانت أثمن من كل الكلمات.
دمعت عينا كريستينا بينما قال أنطوني الذي كان يراقب المشهد من بعيد بصوت مخنوق
أحسنت أنا فخور بك.
ومع مرور الأسابيع أصبحت التمارين عادة يومية خطوة بعد خطوة حتى جاء يوم مشى فيه دون أي عصا.
صفق الجميع فرحا وقرر أنطوني إقامة احتفال صغير.
اجتمع الأصدقاء والعائلة وعزفت موسيقى هادئة ثم تقدم لورانس ورقص بخطوات بسيطة لكنها مليئة بالحياة.
جلس أنطوني يراقب المشهد ثم التفت إلى كريستينا قائلا
لقد منحته ما لم يمنحه أي طبيب منحته الأمل.
قالت بخجل
أنا فقط كنت صديقته والصديق لا يترك صديقه.
ثم جاء لورانس ومد يده لها قائلا
تعالي لنرقص معا.
ضحكت ونهضت ورقصا سويا في مشهد تملؤه البراءة.
وأدرك أنطوني في تلك اللحظة أن هذه الطفلة المشردة أعادت لبيته الحياة.
وبعد يومين دعا أنطوني كريستينا إلى غرفة الجلوس. دخلت بخوف لا تعرف سببه لكنه قال بلطف
تعالي يا كريستينا أريد أن أحدثك في أمر مهم.
جلست بارتباك.
نظر إليها أنطوني نظرة مليئة بالامتنان وقال
لقد كنت نعمة لنا أعطيت ابني القوة ليبتسم ويتكلم ويمشي. شفيت شيئا في هذا البيت لم يستطع أحد أن يشفيه.
بدت كريستينا مذهولة لا تعرف ماذا ينتظرها.
ثم قال بصوت دافئ
هل ترغبين أن تكوني جزءا من عائلتنا رسميا هل ترغبين أن تكوني ابنتي
وضعت يدها على فمها وهي تهمس
أنا ابنتك
أومأ أنطوني برفق
لورانس يريدك أختا له ونحن نريدك بيننا دائما.
انفجرت دموعها وقالت بصوت متقطع
نعم أريد ذلك أريد أن أبقى.
ابتسم أنطوني وقال
شكرا لك.
بعد أيام قليلة اصطحبها لإتمام إجراءات التبني.
وقع باسمه ووقعت هي بخط مرتجف.
وقالت الموظفة بعد ختم الأوراق
مبارك لقد أصبحت ابنتك رسميا.
سجلها أنطوني في المدرسة التي يدرس فيها لورانس وما إن علم الأخير حتى لمع وجهه فرحا وقال وهو يمسك يدها
أنت أختي الآن ولن أفارقك.
أجابت بابتسامة دافئة
وأنا أيضا سأبقى معك دائما.
أبلغ أنطوني الجهات المختصة عن دار الأيتام فاعتقلت المشرفة وأغلق المكان ونقل الأطفال إلى بيوت آمنة.
وحين علمت كريستينا بذلك أحست للمرة الأولى بأنها حرة وأن ماضيها لم يعد يطاردها.
وفي النهاية
لم تكن تملك بيتا ولا مالا ولا عائلة.

لكنها كانت تملك قلبا طيبا
قلبا قادرا على أن يعيد لطفل مقعد القدرة على الوقوف وأن يعيد لبيت مكسور دفء الحياة.
وهكذا أعادت كريستينا لورانس إلى العالم
وأعاد هو إليها معنى الانتماء.

تم نسخ الرابط