تحذير عند الفجر… والسر الذي كان ينتظرني عند الظهر

لمحة نيوز

عندما طرق جاري بابي في الخامسة صباحا وقال بلهفة متروحيش الشغل النهارده صدقيني شعرت بالارتباك والخوف. لماذا يحذرني بهذا الشكل وعند الظهيرة اتضح السبب الصادم لكلماتهوتغير كل شيء.
في الساعة 503 صباحا لم يكن الطرق لطيفا كان من النوع الذي يجعل جسدك ينتفض قبل أن يستيقظ عقلك.
كنت ما أزال على حافة النوم حين اخترق ذلك الصوت الصامت الثقيل الذي يسبق الفجر. لم تكن الطرقات متتابعة بل ثلاث طعنات صافية على بابي كأن يدا مذعورة تحاول منع مأساة من السقوط. خرجت من غرفتي متعثرة أجر نعالي على الأرض كأنها أثقل من أن تحمل وقلبي يسبقني بخطوة.
وقفت أمام الباب أصابعي ترتجف وهي تمسك بسلسلة الأمان. نظرت من العين السحرية فوجدت غراهام واقفا على الشرفة ورغم الظلام الذي يغلف المكان كان واضحا أن شيئا فادحا يختبئ في ملامحه. كنزته المتجعدة كانت مبللة شعره ملتصق بجبهته وأنفاسه سريعة كأنه ركض من عالم آخر ليصل إلي.
فتحت الباب بقدر إصبعي وقلت بخفوت
Graham في إيه
اقترب خطوة وصوته خرج مجروحا
متروحيش الشغل النهارده صدقيني بس.
رعشة غريبة سرت في عمودي الفقري. شيء في طريقة كلامه لم يكن عاديا لم يكن نصيحة جار بل نداء شخص يقف على حدود الخطر.
سألته
ليه

إيه اللي حصل
هز رأسه بعنف وكأن الكلمات معلقة في حلقه لا يريدها أن تتسرب
رجاء اعتذري. قولي إنك تعبانة إنك مريضة أي حاجة. بس بلاش تنزلي النهارده.
ارتجفت قليلا. الهدوء حولنا كان خانقا والسماء لا تزال تتهيأ للخيط الأول من الضوء ومع ذلك كنت أشعر بأن الهواء نفسه محمل بشيء مخيف.
في حد بره سألته.
لم يجب. اكتفى بنظرة خاطفة إلى الشارع ثم عاد يحدق في عيني مباشرة. كانت تلك النظرة وحدها كافية لتخبرني أن الخطر ليس في الخارج فقط بل يطوقني بالفعل.
قلت بتوتر
بس أنا بشتغل في المحكمة ومينفعش أتأخر.
شد على فكه كأنه يكتم شيئا أكبر مما أفهمه
بالذات إنت بالذات انتي ماينفعش تروحي النهارده.
توقفت أنفاسي لثانية
بالذات أنا
أومأ بقوة نظرة الإصرار في وجهه أقوى من أي شرح
لو سمحتي ماتخرجيش. ولو حد اتصل بيكي يقلك تعالي ماترديش.
ثم تراجع دون أن ينتظر ردي مشى ببطء كأن خطواته تحمل وزن سر لا يحتمل ودخل بيته وأغلق الباب.
وقفت بلا حركة ومشاعر غريبة تتصارع داخلي جزء مني يريد الضحك على الموقف واعتباره سوء فهم سخيف وجزء آخر يصرخ بأن أصدق كل كلمة قالها.
الشارع كان ساكنا بشكل مبالغ فيه لا سيارات لا أصوات فقط نسيم باهت يحرك أوراق الشجر. لكن السكون كان
مخيفا كأنه يراقبني.
تنفست بعمق واتصلت بالمشرفة
أنا تعبانة شوية هاخد إجازة النهارده.
لم تبد مقتنعة لكنها قالت ببرود
تمام. سلامتك.
ظللت ساعات طويلة أتجول في البيت كروح تائهة. أراقب هاتفي الستائر الباب الظلال التي تمر على الرصيف. وكلما حاولت إقناع نفسي أن غراهام بالغ في رد فعله كانت ملامحه المذعورة تعود إلى ذهني.
في 917 صباحا جاء اتصال مجهول. لم أجب.
في 1002 اتصال آخر. تجاهلته.
في 1130 كنت أحاول إشغال نفسي بصنع قهوة حين لاحظت إشعارا عاجلا على هاتفي
تحقيق نشط قرب مبنى المحكمةوجود تهديد أمني.
شعرت ببرودة تنتشر في أطرافي.
ثم ظهر السطر التالي
مصدر داخلي يؤكد أن التهديد موجه لأحد موظفي المحكمة.
تسارعت أنفاسي.
كنت أشعر كأن الجدران تقترب مني كأن الضوء يخفت حولي. أمسكت الريموت بيد مرتعشة وشغلت التلفاز. ظهرت صور مباشرة للمكان الذي أعمل فيه شريط أصفر ضباط وحدة متفجرات.
ثم قالت المذيعة بصوت جاف
يشتبه أن الجهاز وضع في مواقف السيارات المخصصة للموظفين.
رددت الكلمات في رأسي كأنها طعنات
مواقف الموظفين
نعم هناك أركن كل يوم في الساعة 722 بالضبط.
رن هاتفي. هذه المرة كانت المشرفة.
إنتي في البيت
أيوه في إيه
ترددت لحظة ثم قالت
لقوا
حاجة تحت مكان ركنتك ومعاها ورقة عليها اسمك.
سقطت الكلمات على أذني ببطء. اسمك.
الورقة مكتوب فيها إيه
قالت بصوت لا يكاد يسمع
هي ماينفعش تشهد.
تجمدت.
كانت تلك الجملة كفيلة بأن تعيد إلي كل شيء القضية الخطيرة الشهود الذين ننسق حضورهم والزيارة المشبوهة التي اكتشفتها قبل أسبوعين البلاغ الذي قدمته ساعتها.
لم أكن أعلم أن ذلك البلاغ سيقودني إلى هذه اللحظة.
أغلقت الهاتف واتصلت بغراهام.
لا رد.
أرسلت رسالة قصيرة
إنت عارف إيه
ولا رد.
والساعة تقترب من 12 ظهرا كانت الكارثة التالية على وشك الوصول.
وفي الساعة 1158 تقريبا بينما كنت أقف في المطبخ كطيف لا يعرف أين يذهب توقفت سيارة داكنة أمام بيتي. لم يكن في هذا الأمر ما يثير الشبهة عادة لكن الصورة هذه المرة جاءت كالكابوس الذي يكتمل في اللحظة التي تقاوم فيها اليقظة.
وقفت خلف الستارة بالكاد أسمح لعيني بالظهور. باب السيارة فتح ببطء ثم نزل رجل يرتدي معطفا داكنا خطواته محسوبة كأنه يعرف البيت مسبقا. لم يتلفت لم يتردد بل سار مباشرة نحو بابي.
وانتقل الخوف داخلي من مجرد ارتجاف إلى شيء يشبه الخدر. ثم جاء الصوت الذي هز أعصابي
طرق.
هادئ.
منتظم.
ثلاث طرقات فقط كأن من يقف بالخارج يعرف ما يفعل
ويعرف أنني أستمع الآن.
ثم قال بصوت رجولي منخفض
مدام أنا المحقق ريفاس.
تم نسخ الرابط