طلب مني ابني وزوجته الاعتناء بطفلهما الرضيع البالغ من العمر شهرين أثناء ذهابهما للتسوق.
طلب مني ابني وزوجته الاعتناء بطفلهما الرضيع البالغ من العمر شهرين أثناء ذهابهما للتسوق. لكن مهما حملته لم يتوقف عن البكاء.
عندما رفعت ملابسه لأتفقد حفاضه تجمدت في مكاني وارتجفت من شدة الصدمة.
لم يمض على زواج ابني وزوجته سوى عام واحد حين رزقهما الله بمولودهما الأول نوح. كان قد أتم شهره الثاني فقط صغيرا كزهرة لم تكتمل أوراقها بعد لطيف الملامح واسع العينين وكثير الابتسام على غير عادة الرضع. كنت أراقبه في زياراتي القليلة فأجده هادئا كأن السكينة اختارته مسكنا لها. لذلك حين طلبا مني الاعتناء به لبضع ساعات ريثما يذهبان للتسوق لم أتردد لحظة واحدة. وافقت بكل سرور بل بشيء من الحنين فقد ربيت ثلاثة أبناء وعرفت بكاء الأطفال وجوعهم وتعبهم وتقلباتهم.
كنت واثقة من نفسي مطمئنة إلى خبرتي ولم يخطر ببالي أن طفلا في هذا العمر قد يربكني أو يقلقني. غير أن الطمأنينة لم تعش طويلا.
ما إن أغلقا الباب خلفهما حتى تغير كل شيء. بدأ نوح بالبكاء. لم يكن بكاء عاديا ولا ذاك البكاء الخفيف الذي يدل على الجوع أو الحاجة إلى النوم. كان بكاء غريبا عميقا متواصلا كأن صدره الصغير يعجز عن احتوائه. بكاء يمزق السمع قبل القلب ويهز
حملته بين ذراعي وضمه صدري كما كنت أفعل مع أبنائه يوما وهمهمت له بكلمات ناعمة علها تطمئنه. هززته برفق سرت به في أرجاء المنزل فتحت النافذة أغلقتها غيرت وضعيته ثم أعددت له الزجاجة. شرب قليلا ثم عاد للبكاء أشد من ذي قبل. احمر وجهه وتعالت أنفاسه الصغيرة وبدا كأن هناك ألما لا يستطيع التعبير عنه.
في تلك اللحظة تسلل إلى قلبي شعور ثقيل. إحساس غامض بأن الأمر ليس عابرا. بأن هناك خللا ما شيئا أكبر من مجرد بكاء رضيع.
أخذت نفسا عميقا محاولة تهدئة نفسي قبل تهدئته. وضعته برفق على الأريكة وانحنيت عليه وهمست
حبيبي ما الذي يزعجك
بدأت أفك أزرار ملابسه لأتفقد حفاضه وحينها توقفت.
تسمرت في مكاني.
تجمدت أطرافي وبدأت يداي ترتجفان دون إرادة مني.
كان هناك شيء يلامس جلده. شيء لم أتوقع ولم أكن مستعدة لرؤيته أبدا على كاحل حفيدي.
سوار صغير سوار مستشفى.
في البداية حاول عقلي أن يقلل من أهمية الأمر. كثير من الأطفال يولدون في المستشفيات وكثيرا ما تنسى الأساور. لكن قلبي لم يطمئن. كان السوار ما يزال مختوما بإحكام لم يفتح ولم تمس أطرافه.
نظرت إليه بتركيز وبدأت أقرأ البيانات المطبوعة عليه.
الاسم نوح.
اسم
شعرت براحة خاطفة لكنها لم تدم أكثر من ثانية.
أسفل الاسم كانت هناك كلمات أخرى كلمات سحبت الدم من وجهي دفعة واحدة.
طفل رضيع مارتينيز.
الأم ل.
وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة الخاصة.
توقف قلبي عن الخفقان للحظة.
شعرت وكأن الهواء انسحب من الغرفة وكأن الجدران اقتربت مني فجأة.
مارتينيز
هذا الاسم لا يمت لعائلتنا بصلة. لم أعرف في حياتي شخصا واحدا يحمل هذا الاسم. لم يكن من الأقارب ولا من المعارف ولا حتى من الأسماء التي مرت على مسامعي عرضا.
لماذا يحمل حفيدي سوارا باسم عائلة غريبة
ولماذا ذكرت وحدة العناية المركزة
ولماذا لم ينزع السوار أصلا
تزاحمت الأسئلة في رأسي وارتطمت ببعضها كأمواج هائجة. هل حدث خطأ في المستشفى هل وضع سوار طفل آخر عليه بالخطأ أم أن الأمر أعمق من ذلك بكثير
أمسكت هاتفي بيد مرتعشة وضغطت على اسم ابني. مرة لا رد.
أعدت الاتصال. مرة ثانية.
انتظرت.
لا شيء.
كان نوح لا يزال يبكي وكأن صوته يشارك قلقي وكأن جسده الصغير يشعر بما بدأ يتكشف أمامي دون أن يفهمه.
ثم وبينما كنت أضمه إلي لاحظت شيئا آخر. ختم باهت بالكاد يرى على الجهة الداخلية من ملابسه. قربته من عيني دققت
شعار متجر ملابس مستعملة متجر أعرفه جيدا.
متجر اعتادت زوجة ابني الشراء منه.
متجر يقع في الجانب الآخر من المدينة.
متجر لا يشبه أبدا متاجر ملابس الأطفال الجديدة.
تسارعت أنفاسي وبدأ المنطق يتداعى داخلي.
لماذا يرتدي حفيدي ملابس من هناك
ولماذا سوار المستشفى لا يزال في مكانه
ولماذا الاسم الغريب
وفجأة ضربني السؤال كصاعقة
هل هذا الطفل هو حفيدي فعلا
شعرت بالغرفة تميل من حولي واضطررت للجلوس حتى لا أسقط. كنت أحتضن طفلا هدهدته وأواسيته وربما لا أنتمي إليه كما ظننت.
وفي تلك اللحظة رن الهاتف.
رسالة واحدة فقط من ابني
أمي سنعود إلى المنزل الآن. أرجوك لا تدعي أحدا يدخل. أغلقي الأبواب. علينا أن نتحدث. الأمر يتعلق بنوح.
تجمدت يداي.
حدقت في الطفل الباكي بين ذراعي في السوار الخاطئ والملابس الخاطئة والاسم الذي لا ينتمي إلينا
ولأول مرة في حياتي دعوت الله بكل ما أوتيت من خوف أن أكون مخطئة.
جلست على الأريكة وظهري مسنود إلى الوسادة وذراعاي تطوقان الطفل كما لو كان قد ينتزع مني في أي لحظة. كان بكاء نوح قد خف قليلا لكنه لم يهدأ تماما كأن روحه الصغيرة لا تزال عالقة بين خوف لا يفهمه وحنين لا