طلب مني ابني وزوجته الاعتناء بطفلهما الرضيع البالغ من العمر شهرين أثناء ذهابهما للتسوق.
مألوف عن خط واحد يربطه بابني بعائلتنا بي. عيناه واسعتان أنفه صغير فمه دقيق ملامح عامة يمكن أن تكون لأي طفل.
بدأ الشك ينهش يقيني ببطء قاس.
قمت ببطء وأغلقت باب المنزل بالمفتاح ثم أغلقت النوافذ كما طلب مني. كان قلبي يخفق بعنف وكل دقيقة تمر تبدو أطول من التي قبلها. مر في ذهني شريط سريع من الذكريات يوم أخبرني ابني بحمل زوجته فرحته المرتبكة خوفه من المسؤولية ثم يوم الولادة حين زرتهم في المستشفى. تذكرت الزجاج الحاضنة الأجهزة والممرضة التي سلمت الطفل لزوجته بسرعة. يومها لم أشك في شيء.
لكن الآن كل تفصيلة قديمة بدت لي ناقصة غامضة وكأن الحقيقة كانت تقف في الظل تنتظر هذه اللحظة.
سمعت صوت المفتاح في الباب.
دخل ابني أولا وجهه شاحب عيناه متعبتان وخلفه زوجته ملامحها مشدودة ويداها ترتجفان وهي تغلق الباب بإحكام. لم يقتربا مني فورا.
لم أحتج إلى كلمات.
رفعت كاحل نوح قليلا ليظهر السوار.
انهارت زوجة ابني في مكانها.
وضعت يدها على فمها وانفجرت بالبكاء بكاء مكتوما ثقيلا يشبه الاعتراف أكثر مما يشبه الحزن.
أما ابني فجلس أمامي ببطء وأسند رأسه إلى يديه. ظل صامتا لثوان طويلة ثم قال بصوت مكسور
أمي سامحيني.
تلك الكلمة وحدها كانت كافية لتأكيد كل مخاوفي.
بدأ الحديث متقطعا متثاقلا كأن الكلمات تأبى الخروج. قال إن الولادة لم تكن سهلة. إن الطفل ولد قبل موعده بقليل وإنه نقل بالفعل إلى وحدة العناية الخاصة لحديثي الولادة. قال إن هناك فوضى حدثت في الساعات الأولى وإن المستشفى اعترف لاحقا بحدوث خطأ.
خطأ كلمة صغيرة لكنها سحقت صدري.
تابع وهو يتجنب النظر إلي أن طفلين ولدا في الليلة نفسها وفي القسم نفسه. وأن الساعات الأولى
سألته وصوتي بالكاد يخرج
وأين الطفل الآخر
أجاب بصوت خافت
مع العائلة الأخرى منذ شهرين.
شعرت بدوار شديد.
شهران.
شهران من الرضاعة والاحتضان والسهر والحب والارتباط لطفلين في المكان الخطأ.
قالت زوجته وهي تبكي
لم نعرف ماذا نفعل. قالوا لنا إن الحل القانوني سيستغرق وقتا. وإن هناك فحوصا وإجراءات وقضايا. حاولنا حاولنا أن نعيش وكأن شيئا لم يحدث.
نظرت إليها نظرة لم أكن أعرف أنني أملكها.
وأنا سألت. لماذا لم تخبراني
ساد الصمت.
صمت ثقيل لا يقطعه إلا تنفس الطفل.
أدركت في تلك اللحظة أن الطفل الذي بين ذراعي مهما كانت الحقيقة لم يكن مذنبا. كان ضحية خطأ أكبر من قدرته وأكبر من دموعنا جميعا. طفل وضع في عالم مرتبك بين اسمين وعائلتين
اقتربت منه أكثر وضمته بقوة وشعرت بشيء داخلي ينكسر ثم يعاد تركيبه على نحو مختلف.
لم أسأل بعدها إن كان حفيدي أم لا.
لم يعد السؤال مهما كما ظننت.
قلت لابني بصوت ثابت على غير عادتي
الطفل لا ذنب له. ما ذنبه أن الكبار أخطأوا
رفع رأسه ونظر إلي بعينين ممتلئتين بالدموع.
قال أمي لا نعرف ماذا سيحدث.
أجبته
ما سيحدث أننا سنفعل الصواب. مهما كان صعبا.
في تلك الليلة لم أنم. جلست بجوار الطفل أراقب صدره وهو يعلو ويهبط أفكر في الطفل الآخر في أم أخرى ربما تشبهني تحتضن طفلا لا تعلم الحقيقة عنه. فكرت في العدالة وفي الأمومة وفي معنى الانتماء.
وعرفت شيئا واحدا فقط يقينا لا شك فيه
أن الحقيقة مهما تأخرت لا بد أن تقال.
وأن القلوب مهما تألمت قادرة على أن تتسع لأكثر مما نتصور.
أما نوح
فكان لا يزال يبكي أحيانا لا من الجوع ولا من التعب
بل