سيدي… أمي لم تعد إلى المنزل الليلة الماضية

لمحة نيوز

سيدي أمي لم تعد إلى المنزل الليلة الماضية
قالتها الطفلة بصوت بالكاد يسمع كأن الكلمات نفسها تخشى الخروج. الليلة التي تغير فيها كل شيء
بدأت العاصفة قبل الفجر.
لم تأت على مهل ولم تنذر بشيء بل اندفعت فجأة كما لو أن السماء فقدت قدرتها على الاحتمال فألقت بكل أحزانها دفعة واحدة فوق مدينة نائمة لا تعلم أنها على وشك أن تستيقظ على الخوف.
هبط الثلج كثيفا وصامتا.
من بعيد بدا كلوحة بيضاء بريئة نقية حد الخداع.
لكن الاقتراب منه كان كافيا لكشف حقيقته جليد قاس وبرودة لا ترحم وخطر يتسلل ببطء إلى العظام.
في حي سانت إلمو حيث يعيش الناس على الهامش ويعتادون القسوة أغلقت النوافذ بإحكام وأطفئت أنوار الحانات وتقدمت الحافلات ببطء ثقيل كأشباح متعبة تشق طريقها عبر الشوارع المطموسة بالبياض.
لم يجرؤ أحد على الخروج.
لم يجرؤ أحد على المواجهة.
لم يتحرك سوى الريح.
كانت تعوي بين المباني القديمة تصرخ تصطدم بالجدران ككائن جريح غاضب لا يجد من يسمعه.
لا أحد عاقل يخرج في مثل هذا الطقس.
لا أحد
إلا طفلة في السادسة من عمرها ترتدي معطفا ليس لها أكبر من جسدها النحيل وتحمل الخوف كأنه آخر ما تملكه وكأنه الشيء الوحيد القادر على إبقائها واقفة.
كانت لوسيا تخطو بصعوبة كل خطوة معركة.
تشرب حذاؤها الرخيص بالماء المثلج فخدرت قدماها وكأنهما لم تعودا جزءا منها.


تثاقلت رموشها تحت بلورات الثلج الصغيرة ولسعت الريح وجنتيها حتى احمرتا وأوشكتا على التشقق.
لم يغلق سحاب معطفها جيدا فكان الهواء القارس يتسلل إلى صدرها مع كل شهيق يسرق دفئها ويترك رجفة لا تستطيع إيقافها.
على ظهرها علقت حقيبة وردية صغيرة فارغة تماما.
لا كتب لا طعام لا شيء.
ومع ذلك كانت تمسك بحمالاتها بقوة كما لو أنها تحمل أثمن ما في العالم.
كانت تحمل الأمل.
أو ما تبقى منه.
داخل رأسها لم يكن هناك سوى سؤال واحد يضرب بقلبها كما يضرب الطبل في صدر الحرب بإيقاع لا يتوقف
أمي أين أنت
لماذا لم تعودي إلى المنزل
كانت والدتها مارينا تعمل في نوبة ليلية بمصنع سان أوريليو.
عمل شاق وساعات طويلة وأجر بالكاد يكفي.
لكنها كانت تعود دائما قبل شروق الشمس.
تعود متعبة شاحبة كتفاها مثقلتان وظهرها منحن من طول الوقوف
لكن ابتسامتها تلك الابتسامة الصغيرة الصادقة كانت تمحو كل شيء.
همسة دافئة.
قبلة على الجبين.
وذراعان تحتويها للحظة.
وعندها فقط كانت لوسيا تنام. بسلام.
لكن في ذلك الصباح حدث شيء لم تعهده من قبل.
أشرقت الشمس.
دخل الضوء من النافذة تسلل بهدوء لمس الجدران واستقر على الأرض.
ولم تشرق مارينا.
انتظرت لوسيا.
جلست أمام الباب.
راقبت المقبض كأنه قد يتحرك من تلقاء نفسه.
نظرت من النافذة علها ترى ظلا مألوفا يقترب.
لفت جسدها الصغير بالبطانيات
ثم أزاحتها ثم أعادتها.
لكن البرد كان أسرع من كل محاولاتها.
برد جسدها الصغير.
وبرد شيء أعمق في داخلها
شيء لم تكن تعرف له اسما بعد.
مر الوقت.
لم تكن لوسيا تعرف معنى الدقائق ولا كيف تقاس الساعات لكنها كانت تشعر في عمق لا تصل إليه الكلمات بأن شيئا ما انكسر.
شيئا لم يكن ينبغي أن يحدث.
كان الإحساس يتسلل إليها ببطء ثم يستقر في صدرها كثقل خانق
هناك خطأ.
خطأ كبير أكبر من قدرتها على الفهم.
ركضت نحو المصنع قدماها الصغيرتان تنغرسان في الثلج أنفاسها تتقطع وقلبها يسبقها خوفا.
لكن الحارس أوقفها عند البوابة نظر إليها بملل ودفعها جانبا بيد قاسية كما لو كانت إزعاجا عابرا لا أكثر.
وقفت لثوان تنظر إلى الباب المغلق لا تفهم لماذا لم يسمح لها بالدخول ولا كيف يمكن لشيء كهذا أن يكون طبيعيا.
اتجهت بعدها إلى موقف الحافلات.
كان خاليا.
لا أصوات لا محركات لا وجوه.
فقط ثلج متراكم وصمت ثقيل كأنه يبتلع كل نداء.
أوقفت زوجين كانا يمران مسرعين شدت طرف معطف المرأة بيد مرتجفة رفعت وجهها الصغير حاولت أن تتكلم.
لكن الخطوات تسارعت والوجوه انصرفت وكأنها لم تكن موجودة من الأساس.
في عالم كان الجميع فيه يفر من البرد
لم يكن أحد مستعدا لأن يتوقف
من أجل طفلة صغيرة تتجمد وحدها في العراء.
عندها فقط عاد إلى ذاكرتها صوت مألوف.
همس دافئ حملته ليلة بعيدة حين
كانت آمنة مختبئة بين ذراعي أمها.
إذا شعرت بالخوف يوما ولم أكن موجودة اذهبي إلى المنزل الكبير على التل.
الرجل الذي يعيش هناك لا يترك أحدا وحده.
لم تكن تفهم معنى النفوذ ولا المال ولا الشهرة.
لكن الاسم كان راسخا في الحي يقال همسا كأنه حكاية
أليخاندرو دوارتي.
ثري.
أرمل.
مالك شركات لا تعد.
رجل يصفه البعض بالرئيس
ويصفه آخرون بالغريب
ذلك الذي دفع ذات شتاء قاس تكاليف التدفئة لكل بيت في الحي ثم اختفى دون انتظار كلمة شكر.
أما لوسيا فلم يكن الاسم يعني كل هذا. كان يعني شيئا واحدا فقط
آخر مكان يمكن أن تذهب إليه. آخر خيط تتعلق به.
فبدأت الصعود.
قاومتها الريح دفعتها إلى الخلف كأنها تحاول إعادتها أو تحذيرها.
تسلل الثلج إلى جواربها فارتجفت وتجمدت يداها داخل القفازين المبتلين حتى شعرت بهما غريبتين عنها.
الطفل لا يفهم التعب
ولا الأزمات
ولا لماذا يغلق العالم أبوابه فجأة.
يعرف فقط أنه خائف
وأنه لا يستطيع الرجوع.
وعندما وصلت أخيرا رأت المنزل.
ضخما.
مضيئا.
دافئا تتوهج نوافذه بلون ذهبي ناعم.
بدا كأنه لا ينتمي إلى العالم نفسه الذي جاءت منه.
كأنه حلم تسلل إلى واقع قاس دون إذن.
تقدمت نحو البوابة الحديدية ساقاها ترتجفان جسدها أثقل من قدرتها على الاحتمال.
لاحظت كاميرا صغيرة أعلى السور فرفعت يديها المرتعشتين نحوها ووقفت على أطراف أصابعها
محاولة أن ترى.
خرج صوتها همسا ضعيفا بالكاد قاوم العاصفة
أرجوك
لكن الريح كانت أسرع.
ضربتها هبة
تم نسخ الرابط