سيدي… أمي لم تعد إلى المنزل الليلة الماضية
المحتويات
عنيفة فسقطت على ركبتيها وانحنى جسدها الصغير تحت وطأة البرد.
أحاط بها الصقيع لا كعدو صاخب بل كتهويدة بطيئة مخيفة.
تشوشت رؤيتها.
ثقلت جفونها.
خانها جسدها أخيرا.
انكمشت على نفسها تضم ذراعيها إلى صدرها تتشبث بآخر ذرة دفء لم يغادرها بعد.
ثم
انقر.
صوت صغير.
واضح.
قاطع الصمت.
انفتحت البوابة.
لم تكن لوسيا تعلم ذلك بعد
لكن هذا الصوت
لم يكن مجرد بوابة تفتح.
كان بداية كل شيء.
اندفع رجل إلى أسفل الدرج يرتدي معطفا طويلا بدا أنه ارتداه على عجل.
شعره أشعث وعيناه لم تكونا عيني رجل اعتاد الأوامر بل عيني إنسان رأى شيئا يخيفه حقا.
ركع في الثلج دون تردد غير آبه بالبرد ولا بمظهره.
وقال بصوت انكسر رغم محاولته الثبات
يا إلهي حبيبتي هل أنت بخير
حاولت لوسيا أن تتكلم لكن الكلمات خانتها.
تجمدت على شفتيها كما تجمد جسدها الصغير بلا صوت بلا مقاومة.
جمعت ما تبقى لديها من قوة ما تبقى من وعي من نفس من رجاء
وهمست بالكاد يسمع صوتها وسط الريح
سيدي أمي لم تعد إلى المنزل
ثم انطفأ كل شيء.
مال جسدها إلى الأمام وكاد رأسها أن يرتطم بالأرض
لكن يديه سبقتا السقوط.
أمسكها أليخاندرو في اللحظة الأخيرة
فشعر ببرودة اخترقت جلده فورا.
كانت باردة ليس كطفل خرج للعب في الثلج
بل كشيء ترك طويلا في العراء.
خفيفة على نحو موجع
كأن الحياة نفسها تخلت عن بعض وزنها داخلها.
ساكنة أكثر
خلع معطفه دون تردد لفها به وضمها إلى صدره بقوة لا تشبه الاحتضان بقدر ما تشبه التمسك.
كما لو أن إرادته وحدها وأنفاسه ونبض قلبه قادرة على إعادتها.
انحنى فوقها وهمس بصوت مرتعش لم يستطع إخفاء خوفه
أنت بأمان الآن لن أتركك.
داخل المنزل اشتعلت النار في الموقد وانتشر الدفء ورائحة الخشب المحترق ملأت المكان.
كان المشهد قاسيا في تناقضه
دفء كامل وطفلة تكاد تتجمد بين ذراعيه.
ماريا!
ارتفع صوته فجأة حادا ومذعورا.
بطانيات فورا! واتصلي بالطبيب!
توقفت مدبرة المنزل في مكانها وقد شلتها الصدمة.
من أين أتت هذه الطفلة!
نظر إليها بحدة لم تعهدها فيه من قبل.
لا يهم.
ثم أضاف بصوت لا يقبل نقاشا
إنها طفلة. ساعدوها فقط.
جلس قرب الموقد وبدأ يفرك يديها الصغيرتين بحذر كأنهما من زجاج.
وفي تلك اللحظة انقضت عليه ذكرى لم يستطع منعها.
شتاء.
هاتف يرن في ساعة متأخرة.
ممر طويل في مستشفى.
امرأة أحبها
تنسحب الحياة من بين أصابعه وهو عاجز.
كان الأوان قد فات.
أغمض عينيه بقوة.
ليس مرة أخرى.
لن يحدث هذا مرة أخرى.
ليس مع هذا الطفل.
بعد وقت لا يعرف طوله تحركت لوسيا.
ارتجفت رموشها وانفتح جفناها ببطء.
أول ما رأته كان وجه رجل غريب يرتدي قميصا أنيقا وساعة تلمع على معصمه.
لكن أكثر ما لفت انتباهها
كانت عيناه.
عينان تعرفان الحزن.
لا تراه فحسب بل عاشته.
همست بصوت ضعيف
أين
اقترب قليلا وصوته خرج دافئا مطمئنا
أنت بخير. اسمي أليخاندرو.
أومأت ببطء.
أنا لوسيا.
كان يعرف اسمها بالفعل.
لكن سماعه منها من شفتيها المرتجفتين جعل شيئا داخله يلين كجدار تصدع أخيرا.
ابتسم ابتسامة صغيرة صادقة.
اسم جميل.
لكن الخوف لم يغادرها.
عاد فجأة حادا كما لو أنه كان ينتظر اللحظة المناسبة فقط.
شدت أطراف البطانية حول جسدها الصغير وقالت
أمي لم تعد إلى المنزل أبدا.
وكأن الكلمات نفسها أعادت البرد إلى الغرفة.
بدأت تحكي.
عن المصنع الذي طردت منه.
عن موقف الحافلات الذي ابتلعه الثلج.
عن الريح التي كانت أقوى منها.
عن البالغين الذين مروا بجانبها
ولم يرها أحد.
كان صوتها خافتا متقطعا
لكن كل كلمة كانت تضرب صدره بقسوة.
نهض أليخاندرو ببطء.
وكان القرار قد اشتعل في داخله قبل أن يصل إلى شفتيه.
قال بصوت ثابت حاسم لا يعرف التردد
سأجد والدتك.
حتى ماريا التي عاشت معه سنوات توقفت مذهولة.
لم يكن هذا وعدا يقال لتهدئة طفل.
كان يقينا.
نظر إلى لوسيا وأضاف
أعدك بذلك.
في تلك اللحظة صدرت خطوات خفيفة من أعلى الدرج.
ظهر دانيال ابنه ذو الثماني سنوات بملابس نومه شعره منكوش وعيناه مثقلتان بنعاس قلق.
توقف عندما رأى الفتاة الغريبة على الأريكة.
أبي ماذا حدث
لان صوت أليخاندرو على نحو لم يسمعه أحد من قبل.
لا شيء سيئ يا صديقي.
ثم أضاف وهو ينظر إلى لوسيا
لوسيا
تبادل الطفلان نظرة صامتة.
عينان صغيرتان
تحملان فقدانا أكبر من عمرهما.
روحان لم تفهما بعد معنى الخسارة
لكنهما عرفتا طعمها.
دون كلمة واحدة
ولدت رابطة هادئة.
رابطة من يعرفون الألم حتى قبل أن يجدوا له اسما.
وفي تلك الليلة
اتخذ أليخاندرو قرارا سيغير مصيرهم جميعا.
لن يتأخر مرة أخرى.
لن يترك أحدا
في العاصفة.
ارتدى معطفه أمسك مفاتيحه وفتح الباب.
اندفعت الريح والثلج إلى الداخل كوحش أبيض غاضب.
خرج إلى العاصفة.
وهذه كانت بدايه اخرى
لم تكن العاصفة قد هدأت عندما أغلق أليخاندرو باب المنزل خلفه.
بل على العكس بدا وكأنها ازدادت شراسة كأنها تختبر عزيمته أو تحاول ردعه عن قرار اتخذه متأخرا لكنه لن يتراجع عنه.
قاد سيارته ببطء حذر المصابيح تشق البياض الكثيف بصعوبة والثلج يتراكم على الزجاج الأمامي أسرع مما تستطيع المساحات إزالته.
لكن ذهنه لم يكن في الطريق بل في الداخل حيث ترقد طفلة لا يعرفها وتشبهه أكثر مما يود الاعتراف.
مارينا.
اسم بسيط لكنه الآن ثقل في صدره.
اتجه أولا إلى مصنع سان أوريليو.
كان المبنى الرمادي يقف صامتا كهيكل مهجور الأضواء خافتة والبوابة نصف مفتوحة تتدلى منها لافتة معدنية تصدر صريرا حادا مع الريح.
ترجل من السيارة ولف معطفه بإحكام.
تقدم نحو غرفة الحراسة وطرق الزجاج.
ظهر الحارس نفسه الذي تحدثت عنه لوسيا.
رجل خمسيني متجهم
أبحث عن عاملة اسمها مارينا رودريغيز. كانت في نوبة ليلية.
رفع الحارس حاجبه بتضجر.
انتهت النوبة منذ ساعات. الجميع غادر.
متابعة القراءة