تم طرده من عمله لأنه أصلح سيارة امرأة مسنة مجانًا… وبعد أيام اكتشف الحقيقة
لم يكن إصلاح السيارة هو ما أثر فيها بل تلك النظرة التي لم تحمل فضولا ولا حكما وكأنها كانت إنسانة فقط لا أكثر ولا أقل.
أصدرت تعليماتها لمساعدها الخاص بأن يعثر على مارتين. لم يكن الأمر سهلا فاسمه شائع وورش السيارات في كولومبوس كثيرة لكن الإصرار حين يقترن بالامتنان يصبح دافعا لا يلين. وبعد أيام من البحث وصلوا إلى الحقيقة الميكانيكي الذي أصلح سيارتها مجانا فصل من عمله بسبب ما فعله معها.
ساد الصمت غرفة المكتب لحظة طويلة. أغلقت السيدة بيغز الملف أمامها وتنهدت بعمق. لم تشعر بالذنب فقط بل بشيء يشبه الغضب الهادئ غضب من عالم يعاقب الرحمة ويكافئ القسوة بحجة القوانين.
في تلك الأثناء كان مارتين يقف في مرآب صغير مستأجر يصلح سيارة قديمة لأحد الجيران. لم يكن المكان مجهزا جيدا ولم تكن الأدوات كاملة لكن يديه كانتا تعملان بنفس الدقة ونفس
حين توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام المرآب رفع رأسه بدهشة. نزل منها رجل أنيق وسأل عن مارتين باسمه الكامل. مسح مارتين يديه وتقدم بحذر. لم يكن معتادا على هذا النوع من الزوار.
قال الرجل إن السيدة بيغز ترغب في مقابلته. نطق الاسم وكأنه عادي لكن مارتين شعر بشيء يتحرك داخله. تذكر السيدة المسنة سيارتها القديمة وعينيها الممتلئتين امتنانا. وافق دون تردد وهو لا يعرف ما الذي ينتظره.
في اليوم التالي دخل مارتين مبنى شاهقا لم تطأه قدماه من قبل. كانت الممرات لامعة والموظفون يتحركون بثقة محسوبة. حين فتح باب المكتب نهضت السيدة بيغز من خلف مكتبها وتقدمت نحوه بخطوات هادئة وابتسمت.
قالت له إنها لم تأت لتشكره فقط بل لتعتذر أيضا. أخبرته بأنها علمت بما حدث له بعد مساعدته لها وأن ذلك لم يكن
قدمت له شيكا بمبلغ لم يصدقه في البداية وقالت إن هذا ليس ثمن الإصلاح بل اعتراف بقيمة الإنسان الذي لا يبيع ضميره. ثم عرضت عليه دعما حقيقيا تمويل ورشة خاصة به ومساعدته على الوقوف من جديد دون شروط تقيد مبادئه.
لم يستطع مارتين أن يمنع دموعه. لم يكن معتادا على هذا النوع من الإنصاف ولا على أن يعود الخير بهذه الصورة الواضحة. شكرها بصوت متهدج وهو يشعر أن الحياة للمرة الأولى منذ زمن تمد له يدا صادقة.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. تواصلت السيدة بيغز مع إدارة الورشة التي فصلته وانتشر خبر القصة بسرعة داخل المدينة ثم خارجها. وسائل الإعلام التقطت الحكاية لا لأنها مثيرة بل لأنها نادرة. قصة رجل خسر عمله لأنه فعل
افتتح مارتين ورشته الخاصة بعد أشهر قليلة. لم تكن فاخرة لكنها كانت نظيفة دافئة ومليئة بالثقة. صار الناس يأتون إليه ليس فقط لإصلاح سياراتهم بل لأنهم شعروا أنهم يسلمونها إلى إنسان قبل أن يكون ميكانيكيا.
أما السيدة بيغز فقد جعلت من قصته سببا دائما للتبرع ولدعم المبادرات التي تضع الإنسان قبل الربح. كانت تقول لكل من يسألها إن المعروف لا يقاس بحجمه بل بتوقيته وإن الرحمة حين تمنح دون حساب تعود بأضعافها.
وفي مساء هادئ وقف مارتين أمام ورشته بعد يوم عمل طويل يتأمل اللافتة الصغيرة التي تحمل اسمه. تذكر ذلك الصباح البارد والسيارة المتوقفة والسيدة المسنة التي ظنها محتاجة ولم يعلم أنها كانت الاختبار الحقيقي لقيمه.
ابتسم وأدرك أخيرا أن الخير لا يضيع أبدا حتى وإن تأخر. فهو يعرف طريقه جيدا ويعود دائما