ليلة التسمّم… ومَن كان الهدف
كنت أعمل في نوبة ليلية عندما أحضروا زوجي وأختي وابني جميعهم فاقدي الوعي. ركضت لرؤيتهم لكن طبيبا أمسك بي بهدوء.
قال لسه ما ينفع تشوفيهم.
ارتجفت وسألت بصوت مبحوح
ليه
تجنب الطبيب عيني وانخفض صوته كأن الكلمات نفسها ثقيلة
الشرطة هتشرحلك كل حاجة لما توصل.
كنت في قلب نوبة ليلية مرهقة أعد الدقائق تمنيا لانتهائها حين انفجرت أبواب الطوارئ فجأة. الهواء تبدل كأن المكان استشعر المصيبة قبلنا. ضجيج خطوات مسرعة وأصوات أجهزة بدأت تصرخ في وقت واحد.
صرخ أحد المسعفين وهو يدفع النقالات
ثلاث حالات! اشتباه تسمم. اتنين بالغين وطفل.
رفعت رأسي عن الملف الذي كنت أوقعه وفي اللحظة نفسها توقف قلبي.
على أول نقالة رأيت وجها أعرفه أكثر من وجهي.
إيفان.
زوجي.
جلده رمادي شفتاه مائلتان للزرقة وعيناه مغلقتان كأنهما قررتا الهروب من هذا العالم.
الثانية كانت نورا.
أختي.
شعرها ملتصق بجبينها من العرق وذراعها موصول بإبرة وريدية صدرها يرتفع بصعوبة.
أما الثالثة
كانت صغيرة على أن تحتمل.
طفل بالكاد يغطيه الملاءة.
ابني.
ليو.
سبع سنوات فقط.
جسده ساكن بشكل مخيف وقناع الأكسجين يعلو ويهبط مع أنفاس ضعيفة
سقط الملف من يدي واندفعت دون وعي.
ليو!
خرج اسمه من صدري كصرخة غريق ومددت يدي نحوه مؤمنة أن لمسة واحدة قد تعيده.
قبضة قوية أوقفتني.
كانت يدا أعرفها.
الدكتور ماركوس هيل.
زميلي.
وجهه لم يكن مذعورا بل مشدودا كمن يحمل سرا أسود.
قال بهدوء قاتل
مش دلوقتي.
حدقت فيه غير مصدقة.
ماركوس! دول عيلتي اتحرك!
لم يترك ذراعي. صوته ازداد خفوتا
لسه أرجوك.
اهتز صوتي
ليه
خفض رأسه وكأنه لا يحتمل رؤيتي
الشرطة هتيجي وهي اللي هتشرح.
الشرطة.
الكلمة سقطت علي كثلج.
حاولت الالتفاف لكنه وقف حاجزا بيني وبين سرير ليو. خلفه كانت الممرضات يعملن بسرعة آلية أنابيب تحاليل أوامر قصيرة. مشهد أعرفه جيدا لكن هذه المرة كنت عاجزة مجرد أم.
ناول أحد المسعفين ماركوس كيسا شفافا فيه متعلقات المرضى. مفاتيح محافظ هاتف.
نظر إليه ماركوس لثانية أطول من اللازم ثم أشاح بوجهه.
سألته
إيه اللي حصل
لم يجب. اكتفى بالإشارة نحو رجل أمن يقف عند المدخل حضوره غير معتاد ثقيل.
عندها فقط رأيت ما لم أره أولا.
يدا إيفان ملفوفتان بورق أبيض كما تغلف الأدلة.
ويدا نورا كذلك.
انقبضت معدتي.
همست
إيه
نظر إلي أخيرا.
وفي عينيه رأيت شيئا أسوأ من الخوف.
الشفقة.
قال
أنا آسف.
ومن خلف الستار اخترق أذني صوت ممرضة جملة واحدة كسرتني
دكتور الطفل عنده نفس المادة في دمه.
نفس المادة.
إذن لم يكن حادثا.
كان شيئا واحدا مصدره واحد.
وفي تلك اللحظة فتحت الأبواب الأوتوماتيكية مجددا.
دخلت شرطيتان.
نظرت إحداهن مباشرة إلي وقالت اسمي
آنسة غرانت محتاجين نتكلم عن زوجك.
جف فمي.
تمسكت بالسرير لأبقى واقفة.
قلت بصوت بالكاد يسمع
دول دول عيلتي. قوليلي إيه اللي حصل.
أجابت بهدوء رسمي مشيرة إلى شارتها
ديتكتيف لينا بارك. لسه بنجمع المعلومات بس جالنا بلاغ من عنوانك. الجيران سمعوا صراخ وشموا ريحة غاز.
غاز
فتحت عيني على اتساعهما.
بيتنا مفيهوش غاز إحنا شغالين كهرباء بالكامل.
شدت بارك فكها قليلا قبل ما تتكلم وكأنها بترتب الكلمات جوه دماغها.
وعشان كده الموضوع مريب. لقينا أسطوانة غاز صغيرة متنقلة في المطبخ وكمان مشروب واضح إنه اتلعب فيه.
الأصوات حوالي بدأت تبعد.
اتلعب فيه يعني إيه
قالت بهدوء مدرب
لازم تحليل سموم عشان نحدد بدقة بس التقدير المبدئي إن فيه مهدئات ممزوجة بكحول. أختك كانت واعية
حبست نفسي.
نورا هي اللي اتصلت
أومأت بارك.
قالت جملة واحدة بس وبعدها الخط فصل.
قلبي دق بعنف.
قالت إيه
نظرت إلي مباشرة.
قالت هو اللي عمل كده.
هو.
الكلمة ضغطت على صدري.
همست وأنا عارفة الإجابة بس خايفة أسمعها
إيفان
بارك لم تؤكد ولم تنف. سألت بدلا من ذلك
هل كان فيه أي خلافات مشاكل مالية توتر في البيت أي حاجة ممكن تشير لدافع
هزيت راسي بعناد
لا كان أب كويس.
بس الجملة طلعت ضعيفة كأنها مش مقتنعة بنفسها.
ومعها طلعت ذكريات صغيرة كنت دايما بدفنها
إصراره إنه هو بس اللي يمسك الحسابات.
عصبيته لما أسأله.
ضحكته وهو بيقول إنت من غيري تايهة.
قرب ماركوس صوته واطي
فيه تفصيلة تانية.
وأشار ناحية أكياس الأدلة.
تابعت بارك الإشارة وقالت
تليفون زوجك كان مفتوح. لقينا رسالة مكتوبة بس ما اتبعتتش.
نبضي زاد.
مكتوب فيها إيه
تنهدت بارك بخفة.
موجهة ليكي. النص حرفيا
أنا آسف بس دي الطريقة الوحيدة.
الدنيا لفت. مسكت حافة الترابيزة عشان ما أقعش.
قال ماركوس بنبرة مشدودة
العينة اللي في دم ليو
مطابقة للموجودة في المشروب. عشان كده ما قدرناش نسمحلك تقربي
لفيت له الغضب والخوف مخلوطين
يعني فاكريني أنا
قال بهدوء موجع
إجراءات لحد ما الحقيقة تبان.
دخلت بارك على الخط